الخواص الطبيعية للتربة: العلاقة المتبادلة بين القوام، والتركيب، والتهوية، والسعة المائية، كمحددات أساسية لخصوبة الوسط الزراعي

الخواص الطبيعية للتربة: أسس تحديد كفاءة الوسط الزراعي

تُعدّ الخواص الطبيعية للتربة مجموعة من السمات الجوهرية التي تحدد كيفية تفاعل التربة مع الماء والهواء والجذور، وبالتالي فهي المؤشر الأساسي على صلاحية التربة للزراعة وقدرتها على دعم نمو النبات. تتضمن هذه الخصائص أربعة محاور أساسية مترابطة تؤثر في بعضها البعض بشكل مباشر: قوام التربة، تركيبها، تهويتها، وسعتها الحقلية للماء.


1. قوام التربة (Soil Texture):

يُعتبر قوام التربة هو الخاصية الأساسية وغير المتغيرة للتربة، ويُعرّف بأنه محصلة النسب المئوية للأجزاء المعدنية الدقيقة التي تُكوّن التربة، وهي: الرمل (Sand)، والسلت/الغرين (Silt)، والطين (Clay).

  • مكونات القوام:

  1. الرمل: حبيبات كبيرة الحجم نسبيًا، يسهل رؤيتها بالعين المجردة، وتُكسب التربة خاصية النفاذية والتهوية العالية.
  2. السلت (الغرين): حبيبات متوسطة الحجم، ذات ملمس ناعم كالدقيق.
  3. الطين: أصغر الحبيبات حجمًا، وذات خصائص كيميائية وفيزيائية مميزة (مثل الشحنة السالبة)، وتُكسب التربة خاصية التماسك والاحتفاظ بالماء.

  • تصنيف القوام: بناءً على سيطرة إحدى هذه المكونات، تُصنف الأراضي إلى أنواع رئيسية، مثل الأراضي الرملية القوام (التي يغلب عليها الرمل) أو الأراضي الطينية القوام (التي يغلب عليها الطين)، بالإضافة إلى أنواع مزيجية أخرى مثل "التربة الطميية" التي تعتبر الأكثر مثالية للزراعة.

2. تركيب التربة أو بناؤها (Soil Structure):

على عكس القوام (الذي هو ترتيب الحبيبات المفردة)، يصف تركيب التربة كيفية ترتيب وتجمع الحبيبات المفردة (الرمل والسلت والطين) معًا لتُشكّل وحدات أكبر وأكثر تعقيدًا تُسمى المجمعات أو الحُصُص (Aggregates).

  • وصف التركيب: هذه الخاصية الطبيعية تصف شكل وحجم ودرجة تماسك هذه المجمعات. قد تكون هذه المجمعات صفائحية، أو كتلية، أو حبيبية، أو عمودية.
  • أهمية التركيب: يُعد التركيب الجيد (مثل البناء الحبيبي) أساسيًا لخلق مسامات كبيرة وصغيرة بشكل متوازن، مما يُحسن من تهوية التربة وتغلغل الجذور وحركة الماء فيها. التركيب الجيد هو نتيجة لعمليات طبيعية وكيميائية (مثل تأثير المواد العضوية، أو عمل جذور النباتات).

3. تهوية التربة (Soil Aeration):

تُشير تهوية التربة إلى مدى توافر الهواء (الأكسجين تحديدًا) في المسامات البينية للتربة لضمان تنفس جذور النباتات والكائنات الحية الدقيقة.

  • المنافسة بين الهواء والماء: الهواء هو أحد المكونات الأربعة الأساسية للتربة، ويتنافس بشكل مباشر مع الماء على ملء مسامات التربة (Soil Pores).
  • دراسة المسامية: دراسة التهوية مرتبطة بشكل وثيق بدراسة مسامية التربة (Soil Porosity)، والتي تشمل:
  1. مجموع المسامات الكلي: النسبة المئوية لحجم الفراغات الكلي في التربة.
  2. حجم المسامات: تقسيم المسامات إلى مسامات كبيرة (Macropores) لمرور الهواء وتصريف الماء، ومسامات صغيرة (Micropores) للاحتفاظ بالماء.
  • اختلاف المسامية حسب نوع التربة:
  1. تعتمد المسامية على مكونات التربة وحجم حبيباتها. فالأراضي الرملية تكون ذات مسامات قليلة نسبيًا في المجموع الكلي، لكن معظمها مسامات كبيرة.
  2. تتميز الأراضي الطينية بوجود مسامات كثيرة جدًا في المجموع الكلي (لأن الحبيبات صغيرة وتترك فراغات كثيرة)، ولكنها مسامات صغيرة جدًا (Micropores)، وغالبًا ما تكون هذه المسامات ممتلئة بالماء، مما يقلل من المساحة المتاحة للهواء (سوء التهوية).
  • تحسين التهوية: تُلاحظ أهمية خلط التربة الطينية بمواد عضوية أو رملية، حيث تساعد هذه الإضافة في تجميع الحبيبات الطينية وخلق مجمعات (تحسين التركيب)، مما يؤدي إلى زيادة حجم المسامات الكبيرة، ومن ثم زيادة التهوية والتصريف.

4. السعة الحقلية للماء (Water Holding Capacity):

تُعرّف السعة الحقلية للماء بأنها مقدرة التربة القصوى على الاحتفاظ بالماء ضد قوة الجاذبية بعد توقف عملية التصريف. هذه الخاصية حيوية لتوفير مصدر مستدام للماء للنبات.

  • الارتباط بالقوام وحجم الحبيبات: تختلف أنواع التربة بشكل كبير في مقدرتها على الاحتفاظ بالماء، ويعود ذلك إلى اختلاف مكوناتها وحجم حبيباتها (القوام).
  • الاحتفاظ العالي: نلاحظ أن التربة الطينية لها مقدرة عالية جدًا على الاحتفاظ بالماء.
  • الاحتفاظ المنخفض: بينما لا تملك التربة الرملية القدرة الكافية على الاحتفاظ بالماء بسبب المسامات الكبيرة التي تسمح بتسربه السريع.
  • الآلية الفيزيائية: تزداد قدرة التربة على الاحتفاظ بالماء مع ازدياد صغر حجم حبيبات التربة. هذا الصغر يؤدي إلى نتيجة مزدوجة ومهمة:

  1. زيادة المساحة السطحية: تصبح المساحة السطحية الكلية لحبيبات التربة (التي يرتبط بها الماء بقوى التوتر السطحي) هائلة.
  2. صغر المسامات: تصغر المسامات (Micropores)، وتزداد قوة الشد الشعري (Capillary Tension) التي تمسك بالماء داخلها ضد الجاذبية الأرضية.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال