حركة الترجمة في العصر الأموي: الشرارة الأولى وبناء الأساس المعرفي لانطلاق الحضارة الإسلامية الكبرى (من دمشق إلى جنديسابور)

حركة الترجمة في العصر الأموي: بداية الانطلاق العلمي للحضارة الإسلامية

تُعدّ حركة الترجمة التي بدأت ملامحها تظهر في العصر الأموي نقطة تحول جوهرية وبداية الانطلاق العلمي الحقيقي في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية. فعلى الرغم من أن النهضة الكبرى في الترجمة ارتبطت بالعصر العباسي، إلا أن الأساس الذي بُنيت عليه هذه النهضة وُضِع خلال فترة حكم الأمويين.


الاهتمام الأموي بالعلم رغم الانشغال بالفتوحات:

قد يبدو للوهلة الأولى أن انشغال الدولة الأموية بمسائل الحكم وتوسيع رقعة الفتوحات كان سيطغى على الاهتمام بالشؤون العلمية، لكن التاريخ يُثبت أن الخلفاء والأمراء الأمويين أظهروا وعيًا بأهمية العلم والمعرفة.

  • الحفاظ على المراكز العلمية: لم يعمل الأمويون على طمس الهياكل الثقافية في الأراضي التي فتحوها، بل حرصوا على الحفاظ على المؤسسات العلمية والدينية القائمة في تلك البلاد. هذا الحفاظ كان بمنزلة جسر يربط بين نتاج الحضارات السابقة وكيان الدولة الإسلامية الناشئ.
  • دعم جنديسابور: من أبرز مظاهر هذا الاهتمام هو دعمهم لمدرسة جنديسابور (في الأهواز، جنوب غرب بلاد فارس حاليًا). كانت جنديسابور مركزًا علميًا وطبيًا عالميًا هامًا جدًا، وقد استمرت في عطائها تحت الرعاية الأموية.
  • انتقال العلماء إلى العاصمة: أسفر هذا الدعم عن هجرة علمية قيمة، حيث انتقل العديد من العلماء والأطباء من مدرسة جنديسابور إلى دمشق، التي كانت تمثل عاصمة الخلافة. هذا الانتقال كان له دور أساسي في إثراء البيئة العلمية في قلب الدولة الأموية.


بداية حركة الترجمة والجهود المؤسسية الأولى:

إن الفضل في إطلاق الشرارة الأولى لحركة الترجمة المنظمة يرجع إلى أحد أمراء البيت الأموي، وهو الأمير خالد بن يزيد بن معاوية (ت. 85 هـ / 704 م تقريبًا)، الذي اشتهر بحبه للعلم واهتمامه بالكيمياء والطب.

  • تشجيع الترجمة: يُعتبر خالد بن يزيد أول من شجع على الترجمة ونظمها، خاصة من اللغة السريانية التي كانت لغة العلم المتداولة آنذاك في منطقة الشام. كان اهتمامه مُنصَبًّا على العلوم التطبيقية مثل الكيمياء والطب.
  • إنشاء دار الكتب: ويُنسب إليه أيضًا فكرة إنشاء دار للكتب في دمشق، وهو ما يمثل أول خطوة مؤسسية نحو إنشاء مكتبات علمية منظمة لخدمة حركة الترجمة والتأليف.

رواد حركة الترجمة في العصر الأموي:

شهدت الفترة الأموية ظهور نخبة من المترجمين الأوائل، كان جلّ تركيزهم على نقل العلوم التي تلبي الاحتياجات المباشرة للدولة والمجتمع، وعلى رأسها الطب. وقد كان وجود هؤلاء الأطباء والمترجمين في دمشق دليلًا على احتضان الدولة الأموية لهذه الكفاءات.

  • ابن آثال: يُعد ابن آثال من أوائل الشخصيات البارزة في هذا المجال. كان طبيبًا خاصًا للخليفة معاوية بن أبي سفيان، ويُعتبر وجوده في بلاط الخليفة دلالة واضحة على أهمية الطب آنذاك، وقد كان من رواد من نقلوا المعارف الطبية إلى اللغة العربية.
  • عائلة أبي الحكم الدمشقي: لعبت هذه العائلة دورًا مستمرًا في الترجمة، حيث بدأ أبو الحكم الدمشقي وابنه الحكم مسيرتهم كأطباء ومترجمين ساهموا في إثراء المحتوى الطبي باللغة العربية. واستمر هذا الدور مع عيسى بن الحكم، حفيد أبي الحكم، الذي لم يكتفِ بالترجمة وحسب، بل قام أيضًا بالتأليف في مجال الطب، مما يشير إلى بداية مرحلة استيعاب العلوم المنقولة والبدء في الإضافة إليها.
  • ماسرجويه: من الأسماء البارزة التي تركت بصمة واضحة، حيث قام ماسرجويه بترجمة عمل طبي مهم هو كتاب القس هارون في الطب (المعروف باسم "الكناش")، وقد تمت هذه الترجمة في عهد الخليفة مروان بن الحكم. تُعد ترجمة ماسرجويه مثالًا مبكرًا وناجحًا لتعريب النصوص الطبية المتخصصة بشكل منظم.

يُظهر وجود هذه الكوكبة من المترجمين، وخصوصًا الأطباء، أن حركة الترجمة المبكرة في العصر الأموي كانت تستهدف بالدرجة الأولى تلبية الاحتياجات الصحية والعلمية التطبيقية، وهو ما مهد الطريق للموجة الأعظم من التعريب في العصور اللاحقة.


الأهمية الاستراتيجية لحركة الترجمة الأموية:

على الرغم من أنها كانت محدودة مقارنة بالنشاط العباسي اللاحق، إلا أن حركة الترجمة في العصر الأموي لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل كانت ذات أهمية استراتيجية بالغة في مسار الحضارة الإسلامية:

  • تأسيس للنهضة العباسية: لعبت الترجمات الأموية دورًا تأسيسيًا حاسمًا، فقد وضعت الأساس لنهضة العلوم الهائلة التي ازدهرت في العصر العباسي، وهيأت الأرضية اللغوية والمؤسسية لاستقبال المزيد من الكتب المترجمة.
  • جسر الحضارات: ساهمت بشكل مباشر في نقل العلوم والمعارف من الحضارات القديمة (مثل السريانية واليونانية والفارسية) إلى اللغة العربية. وهذا النقل هو حجر الزاوية في بناء أي حضارة عالمية.
  • بناء الحضارة الإسلامية: ساعدت هذه الحركة المبكرة في توفير المادة العلمية التي اعتمد عليها العلماء المسلمون لاحقًا، وبالتالي، ساعدت على تأسيس الحضارة العربية الإسلامية كقوة علمية ذاتية، لم تكتفِ بالنقل بل انطلقت للإضافة والإبداع.

باختصار، يمكن النظر إلى العصر الأموي على أنه المرحلة التمهيدية التي شهدت أولى المحاولات المنهجية والمؤسسية لتعريب العلوم، مما جعلها المنصة التي انطلقت منها شعلة النهضة العلمية الإسلامية الكبرى.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال