الأحكام الفقهية الشاملة لنظارة الوقف: دراسة مقارنة في تعيين الناظر، وشروط الأهلية (العدالة والكفاية)، ومهام الإدارة، وحق العزل في المذاهب الأربعة.

نظارة الوقف: الإدارة الشرعية والقانونية للأموال الموقوفة

تُعدّ نظارة الوقف أو الولاية على الوقف الركن الإداري الأساسي الذي يضمن بقاء الوقف واستمراره في تحقيق أهدافه الخيرية والدينية والاجتماعية. فالناظر هو الشخص الذي يُعهد إليه بإدارة الوقف والحفاظ عليه وتوزيع غلته على المستحقين وفقًا لشروط الواقف.

1. تعيين الناظر: مصادر الولاية وترتيبها الفقهي

مسألة تعيين الناظر هي الخطوة الأولى التي تضمن سير الوقف بطريقة سليمة، ويُجمع الفقهاء على أن شرط الواقف كنص الشارع، أي أن إرادة الواقف هي المصدر الأول والأقوى لتعيين الناظر.
  • سلطة الواقف المطلقة: يملك الواقف كامل الحق في جعل ولاية النظر لنفسه أو تفويضها إلى الموقوف عليه (المستفيد من الوقف)، أو تعيين شخص آخر لا علاقة له بالوقف أو الاستفادة منه.
  • طرق التعيين: يتم التعيين إما بـ:
  1. تسمية شخص معين بذاته (مثال: "جعلت النظر لزيد").
  2. تحديد بوصف (مثل: الأرشد، الأنزه، الأكبر سنًا من الموقوف عليهم، أو العالم بالوقف). وقد استدل الفقهاء على جواز ذلك بفعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين شرط النظر لابنه الحسن ثم الحسين رضي الله عنهما.
  • الخلاف الفقهي عند خلو شرط الواقف: إذا لم يشترط الواقف النظر لأحد ولم يعين ناظرًا، تختلف المذاهب في تحديد جهة الولاية:
  1. المالكية والشافعية: يقرران أن النظر ينتقل إلى القاضي أو الحاكم الشرعي، لأنه يمثل السلطة العامة المخولة بحماية أموال الغائبين والأوقاف.
  2. الحنابلة: يرون أن النظر يكون للموقوف عليه إذا كان شخصًا معينًا ومحددًا، أما إذا كان الوقف على جهة لا تنحصر (كالمساجد أو الفقراء عمومًا)، فالنظر يكون للحاكم.
  • الحنفية: يذهبون إلى أن الولاية تكون لأول الواقف نفسه حتى وإن لم يشترطها صراحة، ثم تنتقل إلى وصي الواقف، وفي النهاية، إذا تعذر الأمر، تنتقل إلى الحاكم.

2. شروط وجوب توافرها في الناظر:

اشترط الفقهاء شروطًا لضمان كفاءة الناظر وأمانته على أموال الوقف، ويُمكن تقسيمها إلى شروط تتعلق بالصلاح والأمانة وأخرى تتعلق بالقدرة والتصرف.

أ. العدالة الظاهرة (الأمانة):

  • مفهومها: هي التزام الناظر بالأوامر الشرعية واجتناب المنهيات والمحظورات الشرعية في تعاملاته وحياته العامة.
  • رأي الجمهور: اشترط جمهور الفقهاء (الشافعية والمالكية والحنفية) توافر العدالة لضمان عدم خيانة الناظر للأمانة أو استغلال أموال الوقف.
  • رأي الحنابلة: يرون أن العدالة لا تُشترط بشكل صارم، بل تكفي الكفاية وحسن الإدارة، ولكنهم اتفقوا على أن الناظر الفاسق يُعزل وجوبًا.

ب. الكفاية (القدرة على التصرف):

  • مفهومها: هي قوة الشخص وقدرته العقلية والعملية على التصرف في إدارة الوقف وتحصيل غلته وتنميته.
  • متطلباتها: تتطلب الكفاية توافر شروط أساسية وهي: البلوغ والعقل.
  • الذكورة: لا تُشترط الذكورة في الناظر بالإجماع، واستدل الفقهاء (مثل الإمام عمر بن الخطاب) على ذلك بـ: وصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى ابنته حفصة، حيث أوصى إليها بالإشراف على الوقف.

ج. شرط الإسلام (إذا كان الموقوف عليه مسلمًا):

  • الحالة المشروطة: يُشترط الإسلام في الناظر إذا كان الموقوف عليه مسلمًا أو كانت جهة الوقف مسجدًا أو ما شابهه من جهات البر الإسلامية.
  • الدليل الشرعي: استندوا إلى قوله تعالى: (وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) (النساء 4/141)، وذلك لضمان أن لا تكون للكافر سلطة على أموال المسلمين أو مصالحهم الدينية.
  • خلاف الحنفية: لم يشترط فقهاء الحنفية الإسلام في الناظر، مُجيزين تولي الذمي (غير المسلم) للنظارة إذا كان الوقف على مصالح دنيوية عامة مشتركة (مثل الوقف على القناطر والطرق).

3. وظيفة الناظر وواجباته الأساسية:

تتمثل وظيفة الناظر في الرعاية الشاملة للوقف وتسييره بما يحقق غرض الواقف. هذه الوظيفة تتلخص في أربعة واجبات رئيسية عند التفويض العام له:
  • حفظ الوقف وعمارته: مسؤولية الناظر الأولى هي حماية أصل الوقف من التلف أو الاعتداء، والعمل على ترميمه وعمارته وصيانته بشكل مستمر لضمان استمراره في الأداء.
  • تحصيل غلة الوقف: يجب على الناظر استغلال الوقف بالطرق المشروعة (إيجار، استثمار...) لـ تحصيل إيراداته وغلاته بأفضل شكل ممكن.
  • توزيع الغلة: يجب عليه توزيع هذه الغلة على المستحقين وفقًا للشروط التي وضعها الواقف في صك الوقف.
  • تنمية الوقف: على الناظر أن يجتهد في تنمية أصل الوقف وحفظه من التدهور والقيمية، واتخاذ قرارات استثمارية حكيمة لزيادة مداخيله، وذلك لضمان دوام واستمرار الوقف عبر الأجيال.

4. عزل الناظر: سلطة الواقف والتصرف الإداري

مسألة عزل الناظر هي إجراء ضروري لضمان كفاءة الإدارة واستمرار الأمانة، وتتعلق بشكل أساسي بسلطة الواقف.
  • سلطة الواقف المطلقة في العزل: اتفق الفقهاء على أن للموقِّف (الواقف) الحق في عزل الناظر مطلقًا وتولية غيره بدلاً منه، حتى وإن لم يظهر من الناظر سوء تصرف.
  • القياس على الوكالة: علل الفقهاء ذلك بأن سلطة الواقف في العزل هي كـ سلطة الموكل في عزل وكيله؛ فالناظر هو في حقيقته وكيل عن الواقف في إدارة ملكه الذي خرج عن ملكه.
  • سلطة القاضي في العزل: إذا عجز الناظر أو ظهرت خيانته، تنتقل سلطة عزله إلى القاضي أو الحاكم الشرعي، حتى لو لم يشترط الواقف ذلك، وذلك لحماية الوقف من الضياع.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال