تطوير الوقف الإسلامي.. الاهتمام بإصدار الدليل الشرعي لاستثمار أموال الوقف في ضوء صيغ ومجالات الاستثمار الإسلامية والتوفيق بين الآراء الفقهية

لقد قام الوقف الإسلامي بدور كبير في التاريخ الإسلامي ومساندة الحضارة الإسلامية.
ولكن واقعه في التطبيق المعاصر يعانى من وجوه ضعف عديدة بسبب التدخل الحكومي المركزي في إدارته، ونقص الوعى لدى المواطنين والخروج به أحياناً عن الأحكام الفقهية وحسن الإدارة، ونظرا لما للوقف من آثار تنموية كبيرة في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية وغيرها تدخل في صميم التنمية المستدامة، فإن الحاجة تبدو ماسة لتكثيف الدعوة نحو إعادة الوقف لموقعه الطبيعي في نهضة الأمة الإسلامية.
كما أن تاريخ الأوقاف الجزائرية يظهر أن الجزائريين اهتموا كثيرا بها، وهذا يدل على تمسكهم بعقيدتهم ودينهم الإسلامي الحنيف، ومن جهة أخرى اقتناعهم بضرورة التضامن والتكافل فيما بينهم، ففكرة الوقف في الجزائر لم تعرف فقط خلال التواجد العثماني في الجزائر وإنما قبله بكثير، حيث تأثر الوقف الجزائري كثيرا بيد المحتل الفرنسي، كما تأثر بعدم الاهتمام بعد الاستقلال، وإنما فترة نهاية الثمانينات والبداية التسعينات هي التي عززت من المكانة القانونية للأوقاف، إلى بداية القرن الواحد والعشرون حيث بدأت تلك التشريعات في مجال الأوقاف تعرف تطبيقا محتشما لها.
لهذا التأكيد على النقاط التالية:
- ضرورة تعديل كثير من الأنظمة والتشريعات التي تساهم في تشجيع الوقف من ناحية وفي الاستغلال الأمثل لأموال الوقف من ناحية أخرى، وهذا بالطبع يقع على عاتق الحكومات في مختلف البلدان الإسلامية.
- الاهتمام بإصدار الدليل الشرعي لاستثمار أموال الوقف في ضوء صيغ ومجالات الاستثمار الإسلامية، والتوفيق بين الآراء الفقهية المختلفة بما يساعد على تطوير استثماراتها.
- العمل على عقد ندوات متخصصة عبر ولايات الوطن، وتوسيع معنى الوقف لدى أفراد المجتمع بأنه يشمل كل أنواع العمل الخيري ولا يختص ببناء المساجد ؛وإنما يتعداه إلى بناء المدارس و المكتبات والمستشفيات وغير ذلك من المؤسسات الاقتصادية والخدمية، وذلك ببيان هذا الأمر بالوقوف على تاريخ الوقف في الجزائر وخارجها.
-ضرورة اعتماد كفاءات متخصصة، وهذا لضمان الجدية والفعالية في إدارة الأوقاف الجزائرية التي ظلت لأمد بعيد تسير بطريقة أقل ما يقال عنها أنها غير فعالة، بل عطلت ترقية الأوقاف بما يتوافق والمعايير العلمية الحديثة في مجال الإدارة.
- تطوير التعاون الدولي في مجال الأوقاف، وهذا من خلال النشاطات التي تمارسها مديرية التعاون والعلاقات مع الخارج، والتي تبحث دائما عن سبل التعاون مع الهيئات العالمية المعتمة بالأوقاف كالأمانة العامة للأوقاف بالكويت، الهيئة العالمية للأوقاف بالبنك الإسلامي للتنمية...
- القيام بحملة إعلامية واسعة سواء عن طريق وسائل الأعلام المختلفة أو عقد المؤتمرات والندوات بهدف تبيين ما للوقف من آثارا تنموية كبيرة.

آفاق تسيير الأوقاف في الجزائر.. إخراجها من إدارة ملحقة بوزارة الشؤون الدينية والأوقاف، وإعطاؤها الاستقلالية الكاملة باستحداث الديوان الوطني للأوقاف

إن التكلم عن آفاق تسيير الأوقاف  في الجزائر نابع من التطورات التي تعرفها وضعية الأوقاف في هذه الدولة، إذ يجب أن نذكر عددا من العناصر تعتبر مرتكزات أساسية للتفكير في الآفاق المستقبلية لإدارة الأوقاف في الجزائر، نوجزها فيما يلي:
- تطور الاكتشافات العقارية الوقفية:
فالإحصاءات تتحدث عن أكثر من 4621 عقار وقفي تم استرجاعها وتوثيقها من طرف إدارة الأوقاف الجزائرية.
- منازعات عقارية وقفية:
كثيرة أمام العدالة 600 قضية تم الفصل فيها لصالح الأوقاف و400 قضية تنتظر الحل.
- تسيير أوقاف متنوعة:
تتوزع على 48 ولاية في بلد مساحته 2.3 مليون كيلومتر، يتولى متابعتها 26 وكيل أوقاف.
- استثمارات وقفية جديدة:
يتم تجسيدها وفق استراتيجية طويلة الأمد تحتاج إلى طاقم إداري متخصص، وعلى درجة عالية من الخبرة في مجال متابعة ومراقبة وتسيير هذه المشاريع.
لذا، فإن الحل الأمثل لتطوير إدارة الأوقاف الجزائرية هو إخراجها من إدارة ملحقة بوزارة الشؤون الدينية والأوقاف، وإعطاؤها الاستقلالية الكاملة باستحداث الديوان الوطني للأوقاف، الذي نأمل أن يكون البديل الحقيقي للإدارة الحالية.

الهيكل الإداري والتنظيمي لتسيير الأوقاف في الجزائر.. مديرية الشعائر الدينية والأملاك الوقفية. المديرية الفرعية للبحث عن الأملاك الوقفية والمنازعات

لقد كانت الأوقاف تحمل عنوان وزارة قائمة بذاتها عام 1963،غير أن الإهمال والتهميش وغياب سياسة وطنية للتكفل بالأوقاف أدى إلى اندثار نظام الوقف و تغييب ثقافته في المجتمع الجزائري، واقتصار إدارة الأوقاف على المستوى الوطني في شكل مديرية فرعية لدى وزارة الشؤون الدينية، والتي حذفت منها عبارة " الأوقاف"، حيث أصبحت منذ عام 1965 تحت إشراف مفتشية رئيسية للأوقاف المرتبطة مباشرة بالكتابة العامة بالوزارة، وأما تسييرها فتكفلت به المديرية الفرعية للأموال الوقفية التابعة لمديرية الشؤون الدينية.
وازداد وضع إدارة سوء في عام 1968 حين تقلصت هيكلة الأوقاف لتصبح مسيرة من قبل مديرية فرعية تابعة لمديرية الشؤون الدينية(منصوري ، 2008).
وفي اطار إعادة هيكلة وزارة الشؤون الدينية، أنشئت مديرية بمسمى "مديرية الشعائر الدينية والأملاك الوقفية"، وبعد صدور دستور 1989 الذي أقر الحماية على الأملاك الوقفية و عدلت التسمية إلى "مديرية الأوقاف والشعائر الدينية"، حيث كان نصيب الأوقاف منها مديرية فرعية للأوقاف كانت تقوم بمهمة التسيير الإداري والمالي للأوقاف  عبر 48 ولاية.
وبعد صدور قانون الأوقاف 91/10 والذي قام على خلفية تنظيم الأملاك الوقفية وحمايتها، وهو يعد بداية عهد جديد ونقطة إنطلاق لقطاع الأوقاف  في الجزائر، و نظرا لتزايد الاهتمام الرسمي وتوسيع النشاطات الوقفية من خلال عملية استرجاع الأملاك الوقفية المؤممة و مباشرة البحث عن الأملاك الوقفية المندثرة والمستولى عليها من طرف الأفراد والمؤسسات، كان من الطبيعي ايجاد هيكل إداري يستجيب للظروف المستجدة، فاستقلت الأوقاف لتصبح مديرية قائمة بذاتها، وذلك بعد صدور المرسوم التنفيذي 94/490، والمتضمن تنظيم الإدارة المركزية لوزارة الشؤون الدينية.
كما أن إدارة الأوقاف في الجزائر ليست إدارة مستقلة قائمة بذاتها، بل هي عبارة عن مديريتين فرعيتين من بين المديريات الفرعية الأربعة التابعة لمديرية الأوقاف والحج، حيث أن مديرية الأوقاف والزكاة والحج تضم تحتها ما يلي:
- المديرية الفرعية للبحث عن الأملاك الوقفية والمنازعات.
- المديرية الفرعية لاستثمار الأملاك الوقفية.
- المديرية الفرعية للحج والعمرة.
- المديرية  الفرعية للزكاة.
مما سبق يتضح أن إدارة الأوقاف ما هي إلاّ إدارتان فرعيتان من مديرية الأوقاف والزكاة والحج، ما يجعلنا نسجل بعض القصور الذي يمكن أن ينجم عن دمج هذه المديريات الفرعية في مديرية واحدة، مما يشتّت الجهود لدى العاملين فيها  وبشكل خاص لدى مسئوليها، خاصة في أوقات الحج وجمع الزكاة  التي تتطلب تفرّغًا كاملاً، مما يعني إهمالاً للجوانب الإدارية للأوقاف.

الأملاك الوقفية في الجزائر وطرق استثمارها.. الاقتصار على الإيجار ومراجعته وفق الأسعار الحقيقية والتي تظل دائما ضعيفة مقارنة بأسعار السوق

إن الاستثمار الوقفي العقاري في الجزائر لم يعرف تطبيقات ميدانية قوية، ذلك أن الوتيرة التي تسير بها مختلف المشاريع الاستثمارية الوقفية ضعيفة جدا، علما أنها مشاريع واعدة وتبرز النقلة النوعية في هذا المجال كمشروع حي الكرام ببلدية السحاولة بالعاصمة، ومشروع المسجد الأعظم...
ويتضح من خلال هذه المشاريع النموذجية أن هنالك نقلة نوعية في التفكير الخاص بالاستثمار الوقفي، وهذا لم يكن ممكنا لو لم توجد نصوص قانونية تتيح مثل هذه الاستثمارات.
حيث بدأ في التفكير الوقفي بعد صدور قانون 91/10 المؤرخ في 12 شوال عام 1411هـ الموافق 27 أفريل 1991 والمتعلق بالأوقاف.
ثم تلا ذلك تعديل لهذا القانون، وهذا بناء على القانون 01/07 المؤرخ في 28 صفر عام 1422 الموافق 22 ماي 2001 المعدل والمتمم لقانون 91/10.
ويظهر من استعراض قانون 91/10 أن المادة 45 هي الوحيدة التي تحدثت صراحة عن استثمار الأملاك الوقفية وربطها بشرط الواقف، وأن تكون مطابقة للشريعة الإسلامية في مجال الأوقاف، إلا أن كيفيات تطبيق ذلك لم توضّح فيما بعد عن طريق التنظيم حيث اقتصرت الاستثمارات على الإيجار ومراجعته وفق الأسعار الحقيقية، والتي تظل دائما ضعيفة مقارنة بأسعار السوق.
وظل الأمر على حاله برغم من صدور المرسوم التنفيذي رقم 98/381 المؤرخ في 12 شعبان عام 1419 الموافق 01 ديسمبر 1998، الذي حدد شروط إدارة الأملاك الوقفية وتسييرها وحمايتها وكيفيات ذلك، إلى أن جاء قانون 01/07 ليعدل ويتمم قانون 91/10.
وعليه يمكن اعتبار قانون 91/10 أول خطوة في إطار التقنين للاستثمار الوقفي العقاري في الجزائر، لكن قانون 01/07 فصّل صيغ الاستثمار الوقفي بشكل أكثر وضوحا.

واقع الأوقاف الجزائرية بعد الاستقلال.. الأملاك الوقفية وأملاك الجمعيات الخيرية معترف بها وتتمتع بالحماية القانونية الدستورية

بعد استقلال الجزائر ونتيجة للفراغ القانوني الكبير الذي واجهته الدولة آنذاك صدر أمر في شهر ديسمبر 1962 يمدد سريان القوانين الفرنسية، واستثنى تلك التي تمس بالسيادة الوطنية، وبالتالي لم يكن ضمن اهتمامات الدولة موضوع الأوقاف المتبقية أو التي ضاعت مما أثر سلبا على وضعيتها (خاصة من حيث الرعاية والصيانة بالنسبة للتي بقيت)، بل استمر العمل بالقانون الفرنسي في التعامل مع الأملاك الوقفية، وإذا لم تكتسب الأوقاف الشرعية الإدارية اللازمة للقيام بدورها...، بل حصر دورها في ميادين جد محدودة ومجالات ضيقة مثل المساجد والكتاتيب والزوايا.
ولتدارك الموقف صدر أول مرسوم في سبتمبر 1964 يتضمن نظام الأملاك الموقوفة العامة باقتراح من وزير الأوقاف، إلا أن هذا المرسوم لم يعرف التطبيق الميداني، وبقي حال الوقف مثلما كان على عهد الاستعمار.
وفي نوفمبر 1971 صدر مرسوم الثورة الزراعية، ورغم أن هذا المرسوم استثنى الأراضي الموقوفة من التأميم إلا أن تطبيق ذلك لم يكن كما نص عليه، بل أدرجت معظم الأراضي الوقفية ضمن الثورة الزراعية، مما زاد من تقهقر وضعية الأملاك الوقفية حتى تلك التي كانت معروفة بعد الاستقلال، وفلتت من الضياع والنهب أثناء الفترة الاستعمارية، وهذا ما عقّد من مشكلة العقار الوقفي.
وظلت وضعية الأملاك الوقفية في الجزائر سيّئة بل ازدادت سوءا مع مرور الزمن، رغم صدور قانون الأسرة في جوان 1984 الذي لم يأت بجديد فيما يخص تنظيم الأملاك الوقفية لكنه أشار إلى مفاهيم عامة حول الوقف.
يتضح مما سبق أن الأملاك الوقفية عرفت إهمالا حتى بعد الاستقلال، حيث تعرّض معظمها  للاندثار خاصة العقارات المبنية بسبب الآثار الطبيعية وغياب الصيانة، مع ضياع الوثائق والعقود الخاصة بها، ثم توقف عملية الوقف.
 ولم تكن الانطلاقة الفعلية في حماية الممتلكات الوقفية وإصلاحها، إلا بصدور دستور 1989 الذي نص في المادة 49 منه على أن الأملاك الوقفية وأملاك الجمعيات الخيرية معترف بها، فأصبحت الأملاك الوقفية بدءا من ذلك الوقت تتمتع بالحماية القانونية الدستورية، ليتوالى صدور قوانين ومراسيم وقرارات عزّزت من وضعية الأملاك الوقفية في الجزائر، ومكّنت من استرجاع مكانة الأوقاف بالتدريج في المجتمع الجزائري، ومن بين ما صدر ما يلي:
- القانون رقم 91/10 المؤرّخ في 12 شوال عام 1411 هـ الموافق 27 أبريل 1991 المتعلق بالأملاك الوقفية وتضمن 50 مادة تنظيمية.
- المرسوم التنفيذي رقم 98/381 المؤرخ في 12 شعبان 1419هـ الموافق 1 ديسمبر 1998 الذي حدد شروط إدارة الأملاك الوقفية وتسييرها وحمايتها وكيفيات ذلك، حيث تضمن خمسة فصول و40 مادة في مختلف الأحكام.
- القرار الوزاري المشترك رقم 31 المؤرخ في 14 ذي القعدة 1419هـ الموافق 2 مارس 1999 المتضمن إنشاء صندوق مركزي للأوقاف بإشراف وزارتي المالية والشؤون الدينية والأوقاف.
- قرار وزاري بتاريخ 10 أفريل2000 يحدد كيفيات ضبط الإيرادات الوقفية ونفقاتها.
- قانون 01/07 الصادر بتاريخ 22 ماي 2001 المعدل والمتمم لقانون 91/10، حيث اهتم بتنمية الوقف واستثماره.
  وانطلاقا من هذه القوانين والمراسيم والقرارات وغيرها ،نلاحظ بأن النشاط التشريعي في مجال الأوقاف عرف نقلة نوعية خاصة بعد دستور 1989، مما عزّز من مكانة الأوقاف في القانون الجزائري، واستطاعت أن تصل إلى قانون يضمن ويحث على تنميتها وتثميرها ، بما يمكّن من توسيع قاعدتها وترقية أدائها في المجتمع.
جميع الحقوق محفوظة لــ تربقافة 2015 ©