موشح جادك الغيث.. لبعض عناصر الطبيعة تصرفات تشبه تصرفات البشر. مميزات فنية لفن الموشحات. وصف ليالي الأنس عند لسان الدين

ينسب الشاعر لبعض عناصر الطبيعة تصرفات تشبه تصرفات البشر. اذكر ثلاثة مواضع يظهر فيها ذلك واشرحها.
‌ب- اشرح البيتين (8+9) في ليال كتمت... و مال نجم الكأس...؟
‌ج- اشرح ثلاث مميزات فنية لفن الموشحات مستشهدا بالنص.
‌د- صف ليالي الأنس كما وصفها لسان الدين.
‌ه- ما هي أجزاء الموشح؟
‌أ- ينسب الشاعر لبعض عناصر الطبيعة تصرفات تشبه تصرفات البشر. اذكر ثلاثة مواضع يظهر فيها ذلك واشرحها.
1- إن الأزهار تنهب الفرص نهبا قبل فوات الأوان.
2- الماء يناجي الحصى ويغازله حيث يخلو كل خليل بخليله.
3- يتبرم الورد غيورا ويكتسي بالغيظ.
4- والآس اللبيب الفهم يسرق السمع وكأنه يراقب.
‌ب- اشرح البيتين (8+9) في ليال كتمت... و مال نجم الكأس...؟
البيت الثامن: ما اجمل تلك الليالي التي كتمت سر حبنا وسترت لقاءنا بظلامها الذي بددته طلعة الوجوه الجميلة.
البيت التاسع: وكأن الكأس ينتقل في مجالسنا من يد الى يد ثم هوى مستقيما نحو الأفواه فكان لها (الخمرة) أثرها المحمود فيما بعثته من نشوة وسرور.
‌ج- اشرح ثلاث مميزات فنية لفن الموشحات مستشهدا بالنص.
1- سلك مسلك القدماء في الدعاء لأيام الوصل بالخير فقد كان العرب في جزيرتهم إذا دعوا لمكان بالخير سألوا الله أن يسقيه ماء السماء.
2- تشخيص الطبيعة حيث اختار الألفاظ والعبارات ملائمة لحلاوة الأماني وجمال الرياض ويأتي بأوصافها في أساليب خبرية.حيث استخدم التحسين البديعي (فرادى وثنى) ويستخدم التورية في كل من: النعمان وماء السماء.
3- المحسنات البيانية: الكناية: (أشتات المنى)، والتشبيه: شبه زمر المنى والأحباب بالوفود الاستعارة بالزهر: فقد شبهه بإنسان ورمز إليه بالثغر الذي يبسم.
‌د- صف ليالي الأنس كما وصفها لسان الدين.
صورة ليالي الصفاء والهناء في الأندلس... ليالي حافلة بأسباب الطرب واللهو والجمال تجمع إلى جانب الجنس اللطيف الخمرة وكؤوسها فكل شيء رائع لذيذ ولذلك شعر الشاعر بمرور الوقت بسرعة خاطفة مما دفعه لتشبيه طلوع الفجر السريع بخلسة المختلس, وتمتع الجميع بالحب والنشوة والسرور وعيبها أنها انقضت بسرعة كلمح البصر واستقرت الخمرة في أجواقنا ولعبت برؤوسنا فلم نعد نصحو ولعل ذلك من اثر العيون الحسان في نفوسنا (سكرنا من الخمر وعيون النساء الجميلات) وهجم الصبح علينا هجوم الحرس.

أجزاء الموشح.. المطلع أو المذهب. الدور. السمط. القفل. البيت. الغصن. الخرجة

ما هي أجزاء الموشح؟
1- المطلع أو المذهب: ويكون عادة من شطرين أو أربعة اشطر.
2- الدور: وهي مجموعة الأشطر التي تلي المطلع وان كان الموشح اقرع يقع في أول الموشح.
3- السمط: هو كل شطر من اشطر الدور.
4- القفل: هو ما يلي الدور مباشرة.
5- البيت: يتكون من الدور مضافا الى القفل الذي يليه.
6- الغصن: هو كل شطر من اشطر المطلع أو القفل أو الخرجة.
7- الخرجة: هو آخر قفل في الموشحة وتكون الخرجة أعجمية.

دراسة وشرح وتحليل موشح جادك الغيث للسان الدين بن الخطيب.. خصائص أسلوب الشاعر وأثر البيئة في النص

معناها الكلمة:
جملة دعائية، يدعو فيها بالسقيا لزمان الوصل جادك الغيث
هطل همى
خلسة: الاختلاس، الأخذ في الخفاء
الكرى:النوم
الأماني المتفرقة" أشتات المنى
كما يرسم لها على ما يرسم
جماعات، جمع زمرة زمرا
المطر. جلل الروض سنا: كساه أزهارا متفتحة تلمع و تتلألأ الحيا
ملونا: معلما
جع غرة وهي الوجه، والمراد وجوه الجلاس التي تشبه الشمس شموس الغرر
انتقل من يد إلى يد :مال نجم الكأس
محمود الأثر :سعد الأثر
مطلب و غاية :وطر
انفضت الكؤوس :غارت الشهب بنا
حسدتنا على غبطتنا: أثرت فينا عيون النرجس
جو النص:
يجد الشاعر في ذكريات الماضي السعيد مجالا لشعرهم حيث يتذكرون ما اغتنموا من سعادة، وما نعموا به من متعة بين الأحبة وجمال الطبيعة فتهيج عواطفهم بهذه الذكرى و يعرضون علينا صورة لها، جعلنا نشاركهم سرورهم بها وألمهم لذهاب عهدها، ولسان الدين بن الخطيب في هذه الموشحة يحدثنا عن أيام .جميلة سعيدة قضاها في غر ناطة ويتحسر على أنها مرت سريعة.
شرح الأبيات:
جادك الغيث إذا الغيث همى يا زمان الوصل بالأندلس.
جادك الغيث: جملة دعائية يدعو فيها الشاعر بالسقيا و الخير لزمان الوصل. الغيث: المطر. زمان الوصل: المراد الزمن الذي اجتمع فيه شمل الأحبة.
الشرح: يدعو الشاعر لتلك الأيام السعيدة التي قضاها في غرناطة بالسقيا كلما سقط المطر على عادة القدامى حين كانوا يدعون لأرض المحبة بذلك.
الصور: (يا زمان الوصل) استعارة مكنية، شبه زمان الوصل بإنسان وحذف المشبه به و دل عليه بشيء من خصائصه وهو النداء و فيها تشخيص للزمان و كأنه إنسان حي يسمع النداء و هي توحي بحنين الشاعر لتلك الأزمان. ((جادك الغيث)) استعارة مكنية تصور زمان الوصل أرضا يسقيها المطر و فيها تجسيم و إيحاء بقوة الذكريات ودوامها مرتبطة بتلك الأيام وهي صورة تقليدية لشعراء المشرق العربي لأنها لا تناسب الأندلس وبيئتها المليئة بالأنهار و لا تحتاج إلى المطر فالشاعر هنا يريد الدعاء بطلب الخير عامة و المطر رمز عهد الخير.
لم يكن وصلك إلا حلما في الكرى أو خلسة المختلس
حلما: خيال و طيف. الكرى: النوم. الخلسة: الاختلاس والأخذ في الخفاء
الشرح: كان لقاء الأحبة جميلا ولكنه مر سريعا كالحلم السعيد أو اللذة المختلسة
الصور: (لم يكن وصلك إلا حلما أو خلسة المختلس) تشبيهان فالوصال في لذته كالحلم السعيد في سرعته وقصر زمن المتعة كالخلسة السريعة.
إذ يقود الدهر أشتات المنى ننقل الخطو على ما يرسم
يقود الدهر: يسوق والمراد يحقق. أشتات المنى: الأماني المتفرقة. جمع شتيت و جمع منية. ننقل الخطو: تتجه على ما يرسم: كما يرسم لها الدهر.
الشر ح: يسترجع الشاعر الذكريات فيقول كان الدهر يحقق أمانيه المتعددة المتنوعة فتجري على خطة مرسومة لا تختلف ولا تنحرف.
زمراً بين فرادى و ثنى مثلما يدعو الحجيج الموسم
زمراً: جمع زمرة. الوفود: جمع وفد وهو الجماعة / الموسم: موسم الحج.
الشر ح: هذه الأماني تأتى في موعدها المرغوب فرادى أو ثنى أو جماعات كأنها وفود الحجاج في موسم الحج تأتى في موعدها متفرقة أو متجمعة.
و الحيا قد جلل الروض سنا وثغور الزهر منه تبسم
الحيا: المطر. جلل الأرض سنا: كسا الرياض أزهارا متفتحة تلمع وتتلألأ. ثغور: جمع ثغر.
الشر ح: كانت الطبيعة حولنا بهيجة تشاركنا سرورنا وتسهم في سعادتنا فالمطر قد كسا الروض ثوبا مشرقا من الأزهار المتفتحة الباسمة.
وروى النعمان عن ماء السما كيف يروي مالك عن أنس
روى النعمان عن ماء السماء: المراد هنا أن شقائق النعمان ذلك النوع من الإزهار الذي يعرف بشكله الأحمر ونقطة السوداء يدل على أثر المطر فيها وفضله عليها والنعمان بن ماء السماء: ملك الحيرة في الجاهلية وفى هذا التعبير تورية ومالك بن أنس: فقيه صاحب مذهب معروف و أنس أبوه أو هو أنس ابن مالك خادم الرسول (ص) وعلى هذا لا تكون بينهم علاقة القرابة.
كيف يروي مالك عن أنس المراد هنا أن ما بين شقائق النعمان والمطر من نسبه وصلة مثل ما بين مالك و أبيه أنس أو مثل ما بينه وبين أنس بن مالك في صدق الأحاديث المروية.
فكساه الحسن ثوباً معلماً يزدهي منه بأبهى ملبس
معلما: ملونا. يزدهي: يختال. بأبهى ملبس بأجمل الأثواب.
الشرح: شقائق النعمان تنطق بأثر المطر وتدل على أنها وليدة ماء السماء كما أن مالكاً وليد أنس فأصبح الروض يختال في ثوب جميل تعددت فيه ألوان الحسن والبهاء.
الصور: صورة كلية لزمان الوصل تمثل فيها الدهر قائدا فيقود الأماني فتمشي حسب الخطة الموضوعة فرادى أو جماعات و الشاعر و أحبابه يمرحون بين الرياض الزاهرة الجميلة وهي لوحة حافلة بالحركة وتحملها في يقود تنقل الخطو، كساه يزدهي و اللون نراه في الروض، السنا، الزهر، النعمان، ثوبا معلما، والصوت نسمعه في الخطو، يدعو، رو ى، و في خلالها صورة بيانية في البيت الثالث يقود الدهر أشتات المنى استعارة مكنية تصور الدهر قائداً والمنى جنودا تقاد لأمره (تنقل الخطو على ما يرسم) ترشيح لهذه الصورة فالشاعر مستمر في خبايا الدهر، فالدهر قائد يرسم الخطة وأشتات المنى جنود تنقل الخطو وتتحرك بأمره وفى ذلك تصوير وتشخيص وتوضيح للمعنى الذي يريده وهو الدلالة على السعادة التامة.
تشبيه: يصور الأماني في تتابعها فرادى أو مثنى أو جماعات بحسب الحاجة والظروف في أوقات محددة، بصورة الحجاج يتوافدون على مكة جماعات أو فرادى في موسم الحج و يبدو في هذه الصورة الثقافة الدينية للشاعر. (يدعو الموسم) استعارة مكنية تصور موسم الحج إنسانا يدعو الناس ويناديهم.
(فثغور الزهر من تبسم) استعارة مكنية شبه الزهر بإنسان وحذف المشبه به ودل عليه بشيء من خصائصه وهو ثغور ورشح هذه الاستعارة بقوله: تبسم والصورة توحي بالبهجة والصفاء الذي يغمر الروض.
روى النعمان عن ماء السما: استعارة مكنية تصور شقائق النعمان إنسانا يروى ويحكي وماء السما إنسانا يروى عنه، و الشاعر هنا متأثر بالثقافة الدينية ورواية الحديث الشريف. وهنا تشبيه حيث شبه رواية شقائق النعمان عن ماء السماء برواية مالك عن أنس.
كساه الحسن ثوباً معلما: استعارة مكنية تصور الحسن إنساناً يكسو الروض ثوباً ملوناً، ثوباً معلماً استعارة تصريحية حيث شبه الأزهار المتنوعة في الرياض بالثوب المطرز المنقوش، وتوحي بروعة الأزهار والإعجاب بها. يزدهي منه بأبهى ملبس: استعارة مكنية تصور الروض إنساناً يختال مفتخراً بملابسه الجميلة وفيها تشخيص و إيحاء بروعة الجمال.
في ليال كتمت سر الهوى بالدجى لولا شموس الغرر
كتمت: سترت. الهوى: الحب. الدجى: الظلام. شموس الغرر: شموس مفردها شمس، الغرر جمع غرة و هي بياض الوجه والمراد وجوه الجالسين التي تشبه الشموس.
الشرح: ما أجمل تلك الليالي التي سترت لقائنا وحجبتتا عن أعين الرقباء بظلامها الذي لم ينبعث فيه ضوء غير إشراق الوجوه الجميلة في ذلك المجلس.
الصور: ليالٍ كتمت سر الهوى: استعارة مكنيه تصور الليالي إنسانا يكتم السر، وشموس الغرر: تشبيه بليغ فقد شبه وجوه الأحبة في إشراقها بالشموس والغرر: مجاز مرسل عن الوجوه علاقته جزئية فقد أطلق الجزء (فالغرة بياض في الجبهة) وأراد الكل وهو الوجوه..
مال نجم الكأس فيها وهوى مستقيم السير سعد الأثر
مال نجم الكأس: انتقل كأس الشراب اللامعة كالنجم من يد إلى يد، سعد الأثر: محمود الأثر (طيبا).
الشرح: وفي هذه الليالي كانت تدور الكؤوس علينا منتظمة فتترك في نفوسنا نشوة وطربا.
الصور: نجم الكأس: تشبيه بليغ فقد شبه الكأس بالنجم في اللمعان والإشراق وأضاف المشبه به إلى المشبه.
وطر ما فيه من عيب سوى أنه مر كلمح البصر
وطر: مطلب وغاية.
الشرح: وقضينا في هذا اللقاء أوقاتاً سعيدة لا عيب فيها إلا أنها مرت سريعة كلمح البصر وهكذا الصفو قصير العمر
الصور: وطر مر كلمح البصر : تشبيه فقد شبه وقت اللقاء في قصره بالوقت الذي يستغرقه لمح البصر.
حين لذ النوم شيئاً أو كما هجم الصبح هجوم الحرس
لذ النوم: أصبح لذيذاً، شيئا: المراد هنا قليلاً.
الشرح: فما كدنا نشعر بسعادة الأنس واللقاء حتى ظهر الصبح فافترقنا كما يهجم الحرس في عنف على جماعة فيشتت شملهم.
الصور: هجم الصبح هجوم الحرس: استعاره مكنية شبه الصبح إنساناً يهجم. / هجوم الحرس: تشبيه حيث شبه هجوم الصبح في عنفه وقسوته ومفاجأته وأثره في تفريق الشمل بهجوم الحرس وهو يوحي بضيق النفس من حرمان التمتع بالسعادة.
غارت الشهب بنا أو ربما أثرت فينا عيون النرجس
غارت الشهب بنا: لحقتها الغيرة بسبب السعادة التي نحن فيها فانقضت الكؤوس وانتهى مجلسنا. أثرت فينا عيون النرجس: المراد حسدتنا على سعادتنا.
الشر ح: وكأن النجوم أصابتها الغيرة منا فاختفت بسرعة لترسل الصبح يكشفنا ويفرقنا، أو كأن عيون أزهار النرجس حسدتنا فلم يطُل أمر سعادتنا ولقائنا.
الصور: غارت الشهب بنا: استعارة مكنية صور الشهب أشخاصا تصيبهم الغيرة والحقد. عيون النرجس: تشبيه بليغ فقد شبه زهرات النرجس في شكلها بالعيون وأضاف المشبه به للمشبه. أثرت فينا عيون النرجس: استعارة مكنية تصور أزهار النرجس أشخاصا يحسدون الأحبة عند اللقاء.
يا أهيل الحي من وادي الغضا و بقلبي مسكن أنتم به
أهيل الحي: إيحاء بالمحبة. وادي الغضا: وادي إمارة غضي وهي شجرة خشبها صلب.
الشرح: يا أهل ذلك الحي بذلك الوادي الذي تحول إلى ألم و حزن وشجن أنني أدعوكم وأناديكم لأنكم قريبون مني مكانة و لكم منزلة خاصة بقلبي.
ضاق عن وجدي بكم رحب الفضا لا أبالي شرقه من غربه
وجدي: شعوري حزني. / رحب الفضا: الفضاء الواسع. / لا أبالي: لا أهتم.
الشرح: فإحساسي وشعوري ضاق بهذا الفضاء الواسع الرحب فلم أعد أهتم به و لا بأي جهة فيه.
فأعيدوا عهد أنس قد مضى تعتقوا عبدكم من كربه
أعيدوا: أعيدوا زمن الوصل. / تعتقوا: تحرروا. / كربه: حزنه.
الشرح: فدعوة إلى إعادة ذلك الزمان، زمان الأنس والحب واللهو فأنتم بهذا تحررون عبدا ضاقت به القيود و أحكمته.
واتقوا الله و أحيوا مغرما يتلاشى نفسا في نفس
يتلاشى: يختفي. / مغرم: عاشق.
الشرح: و أدعوكم لتقوى الله فيما يصيبني فأنا إنسان معشق ومغرم لذلك الزمان وبهذه الحالة التي وصل إليها فأنا انتهي و أتلاشى شيئا فشيئا.
حبس القلب عليكم كرما أفترضون عفاء الحبس
الشرح: فالقلب قد كن هذا الحب العظيم لذلك الزمان كرما وحبا وعشقا له فلا أظنكم ترضون بغير ذلك وهو أن يتحول ذلك الحب إلى كره وعدم مبالاة فلا تكون هناك رغبة في إعادة ذلك الزمان.
خصائص أسلوب الشاعر:
* ألفاظه رقيقة عذبة.
* يميل إلى المحسنات البديعية.
* أفكاره غير عميقة و يقل فيها التحليل والتفصيل.
* متأثر بالثقافة الدينية.
أثر البيئة في النص:
* كثرة اللهو والترف في الأندلس.
* جمال الطبيعة هناك وتنوع مظاهر الحسن فيها.
* اتصال الثقافة الأندلسية بالثقافة العربية في المشرق.
* تجديد الأندلسيين في أوزان الشعر وقوافيه بابتكارهم الموشحة.

مظاهر جودة الصناعة الشعرية عند المتنبي.. الإيقاع الأفقي للقصيدة (البحور الشعرية) والإيقاع العمودي (القافية). الميزة الجمالية الموروثة للتصريع

أين تتجلى جودة الصناعة الشعرية عند المتنبي؟
يرى العديدون أن تميز المتنبي إنما هو راجع أساسا إلى مـا حققه من تجديد وإبداع داخل رحم التقليد وجذور الموروث. فلئن حافظ المتنبي على كل من الإيقاع الأفقي للقصيدة (البحور الشعرية) والإيقاع العمودي لها (القافية)، فإنه قد خلق إيقاعات داخلية شديدة التميز هي التي منحت المعنى قوة خاصة...
والمتنبي ولئن حافظ على الميزة الجمالية الموروثة للتصريع فهو قد أبى إلا أن يوقع بصمته على مطالع القصيدة، لذلك نراه في مدحياته و أهاجيه يحمل المطلع بوجه خاص طاقة تفوق بكثير تلك التي حملها إياها سابقوه، فهو ولئن احتفظ مثلا بسنة الوقفة الطللية في قوله:
لـك يا منازل في القلـوب منـازل     أقفرت أنت وهن منك أواهــل.
فإنه مع ذلك أحدث جمالية إنشائية خاصة صاغها التراوح بين الجناس والطباق من جهة ؛ وحضور الأسلوبين الإنشائي والخبري من جهة ثانية ؛ وكثافة المد والحروف الخيشومية من جهة ثالثة...
هكذا إذن، نتلمس ومن مثال واحد، حميمية العلاقة التي تجمع المتنبي باللغة، شاعرنا يتدلل عليها ،يرتمي في أحضانها ليجعلها عنصرا فاعلا، بل هي الأساس الرئيسي في بناء تلك الصور المتجاوزة ، إن المتنبي في قوله الحماسي عن العدو:
للسّبـي ما نكحوا، والقتل ما ولدوا    والنهب ما جمعوا، والنار ما زرعــوا
ما كان ليصور لنا هذه الصورة على أكمل وجه لولا رقيه الفني في"رسمه بالكلمات". إن حضور الترصيع في هذا المثال و تأخيه بالطباق ليحدث إيقاعا شديدا، هو من شدة الحرب ومن شدة جيوش الممدوح.
الترصيع أيضا يوقع حضورا متميزا في أهاجي المتنبي فلا يزيد المهجو إلا دونية وانحطاطا كقوله مثلا:
أفي كل يوم تحت ضبني شويعر   ضعيف يقاويني قصير يطـــاول
لساني بنطقي صامت عنه عادل   وقلبي بصمتي ساخر منه هازل
أو كقوله:
أذم إلى هذا الزمان أهيلــه    فأعلمهم فدم و أحزمهم وغــد
وأكرمهم كلب وأبصرهم عـم    وأسهدهم فهد وأشجعهم قـــــرد
والمثالان السابقان مع ما يؤكدانه من حضور للترصيع في القصيدة الهجائية ودور في بناء جمالية القبح فإنهما أيضا يؤكدان تعويل الشاعر على أسماء التصغير في الاستنقاص من المهجو والسخرية منه، هذا الأسلوب الذي طالما اشبع مرارة في هذه القصائد:
وكم ذا بمصر من المضحكات ولكنـه ضحـــك كالبـكـا
وأسود مشغره نصفــــه يقــــال له أنت بدر الدجى
المتنبي إذن في مدحه أ وهجائه، قد جند جملة من الآليات والفنيات التي لئن كانت، منطقيا، وسيلة استنجد بها لخلق الصورة المتجاوزة فإنها مع ذلك أكدت استقلاليتها أو فلنقل إنها أثبتت أهميتها الخاصة بغض النظر عن الهدف الذي يبدو أنها قامت لأجله ، فهو في إحضاره للمجازات ، والاستعارات، وأساليب التشبيه، مادحا أو هاجيا، إنما يؤسس لغة، بل هو يتماهى مع اللغة، يؤثر فيها ويتأثر، يحررها دونما انبتات ، يتحقق فيها ويجعلها متحققة فيه،.. اللغة مع المتنبي تخرج من برودتها ، تتوهج انفعالا، تعيش انبعاثا عربيا محضا، المتنبي في لحظة التماهي مع شعره يمتلئ به ليملأ هو أيضا به، يصبح كلاهما مكملا للأخر : وجه الكمال الذي به فحسب تقوم القيم الحق...
صحيح أن المتنبي بالغ في المدح والهجاء، لكنه مدح حسب الكثيرين قيما منشودة لا كائنة وهجا دونية أبصر بذورها وارتأى جذوعها، إن المتنبي وهو يمدح بدر بن عمار و سيف الدولة الحمداني وأبا شجاع بن محمد وغيرهم من الممدوحين، إنما كان يبني، يشيد صرحا لقيم القوة ، والمعرفة والجمال والمثل.. المتنبي كان يبحث في ممدوحيه عمن سيرجع "للعرب أيامهم"، من سينهض من بين المسلمين ليعلى من جديد راية العروبة والإسلام، إن البعد الحماسي كثيرا ما حضر في المدائح أسا يزداد به الممدوح سموا على الجميع كمخاطبة المتنبي سيف الدولة بعد فراقه له:
أرى المسلمين مع المشركيــن إما لعجز وإما رهــب
وأنـت مع اللـه في جانـب قليل الرقاد كثيـر التعـب
كأنك وحـدك وحـدتـــه ودان البريـة بابـن واب
هذا التمسك بالعروبة، وهذا الامتلاء بها، بالحس الإسلامي هو نفسه الذي جعل المتنبي يبالغ أكثر في هجائه للأعاجم، وهو الذي جعله يعمد في القصيدة المدحية، وهو يعلي من قوة العنصر العربي في الممدوح، إلى الإناخة وفضح دونية العنصر الأعجمي كقوله مثلا:
فنحن في جذل والروم في وجــــل   والبر في شغل والبحر في خجــل
إن إرادة القوة، والبسالة الحربية، وما يستتبعها من شجاعة وإقدام وإيثار وافتداء: هي أسس طالمــا كثف المتنبي من حضورها في مدحياته وأقصاها تماما، أو أكد نقائصها الموضوعية في كيان مهجويه:
بكــل أرض وطئتها أمـــم    ترعى بعبـــد كأنهـــا غنـــم
من ناحية أخرى، تأتي شخصية الممدوح دائما لتعلن تجسيدها أو بلوغها ذروة المعرفة والجمال والأخلاق، فهو العالم المشجع للعلماء، الأديب الواعي لقيمة الأدباء، الجميل الذي يقبس من النور الرباني، الكريم، العليم، الجيد، كلها صفات تغني بها الجاهليون من قبل، لكن المتنبي بعطشه الشديد للكمال ، قد أعاد بعثها ، جمعها كلها في كيان واحد، توزع بطريقة متفاوتة على شخصيات عدة:
مدح المتنبي لكل ممدوح، وهجاِؤه لكل مهجو، إنما في النهاية محاولة، سعي لصياغة قيمة وقيمة مضادة، بناء كيان للكمال وآخر للنقصان، إعادة تشكيل للعالم بعد أن امتزجت فيه الحقائق بالأوهام ، وبات من العسير أن نفرق أو نفارق بين القيمة ونقيضها..
مدح المتنبي إذن كان محاولة لتشكيل أرضية للكمال ، كيان ثابت لا يقبل الاهتزاز، وهجاؤه إنما كان محاولة تفريغ نقمة، ثورة على العالم، على "أمة ضحكت من جهلها الأمم": محاولة حصر الرداءة كلها، سجنها في كيان واحد، مبالغة المتنبي إذن في المدح، وإقذاعه في الهجو إنما كانا تعبيرا عن رغبة في التبرؤ من عالم النواقص بشتمها والإقذاع في سبها علها تنفضح فتندثر و تقصى، ورغبة في مناجاة عالم الكمال بما يقيمه من راقي الصور ولذيذ الأساليب فيقترب منه أو يفسح المجال لشاعرنا في لحظة المعراج لمعانقته.
على أن هذه الرغبة في بناء "الكائن الأرقى" لم تكن حاضرة في كل مدائح المتنبي، فعدد غير قليل من الأبيات المدحية بسيطة الصورة، عادية البنية، هي بالتالي تعكس افتعالا أكثر منه انفعالا، يبرز هذا خاصة في المدائح التي قالها في كافور الإخشيدي مثلا، او في بعض المقطوعات المرتجلة ذات الغاية التكسبية البحتة.
بل إن الطريف أن أبيات المتنبي المتصنعة هي أول من يشهد بذلك. ألم يفضحه بيته الذي قال فيه:
مخاطبا الإخشيدي "مادحا":
وقد قتل الأقـران حتى قتلتـه    بأضعف قرن في أذل مكان
هذا، إضافة إلى أن المتنبي، قد بالغ في الفخر مبالغتـه في المدح أو الهجاء، وجند من الأساليب والدوال ما يذهل ويبصر، فالصورة الشعرية التي ينسبها لنفسه لا تقل رقيا وعجائبيـة أ كان ذلـك
لحظة الانتصار والانكسار:
أطاعن خيلا من فوارسها الدهــر  وحيـدا وما قولي كذا ومعي الصبر
وأشجع مني كل يوم سلامتــــي    وما ثبتت إلا وفي نفســها آمــر
تمرست بالآفات حتى تركتهــــا    تقول أمات الموت أم ذعـر الذعــر
....وكم من جبال جبت تشهد أنني ال   جبال وبحر شاهد أننـي البحــــر
ألا تعد هذه الصور بحق، هي أيضا قمة في التجاوز والمبالغة.
مدح أبي الطيب المتنبي إذن وهجاؤه، قد قاما على ثنائية التأسيس والهدم، هي ثنائية طالما استشعرها الشاعر في علاقتها بثنائية الموت والحياة، ثنائية الخلود والفناء، ربما أمكننا القول، انطلاقا من هذا أننا قد تلمسنا الآن ، لحظة من لحظات المكابدة الشعرية عند المتنبي..

شرح عام للأساليب الخاصة في شعر المتنبي.. تجاوز الحد والمألوف في نحته لكيان الممدوح أو في هدمه لإنسانية المهجو

إذا كان أبو نواس قد استنجد بالخمرة في احتفائه بالقصيدة رمزا يفرض به وجوده المنشود فان أبا الطيب المتنبي لم يرض بغير ذاته الممتلئة، وأناه المفخمة ينتشي، يثمل بها وفيها.
من هذا المنطلق يرى البعض أن القصيدة المتنبئيّة رغم مروقها على نظام المنطق في المدائح، وافتضاضها لمناعة العرف الأخلاقي في الأهاجي، تتمتع بإنشائية متميزة، وهي تعبر عن رؤيوية ذاتية. عن مشروع تأسيسي للقيم الحق...
فكيف تتجلى مظاهر المبالغة في كل من المدائح والأهاجي؟ إلام يعود الرقي الجمالي فيها؟ ثم ما هي هذه القيم التي قامت عليها وما مدى علاقتها بالأنا المرجع؟
ما من شك في أن المتنبي، في مدحه أو في هجائه، قد صاغ صورا وكيانات أقل ما يقال عنها أنها غير مألوفة: ففي المدائح من جهة، كثيرا ما نرى الشاعر ينحت كيانا خارقا عجائبيا نراه يكاد يخرج به من إطار الآدمية الطبيعية إلى ما هو متجاوز لذلك بكثير، فالممدوح في مدائح المتنبي -وإن كان الأمر متفاوتا، هو ذلك الذي يغترف من الصفات الإلهية، أو كما يمكن أن نسميها الصفات الميتاـ إنسانية إلى درجة أنه يصبح متجاوزا الزمان بقدمه وخلوده، متعاليا على المكان بامتلائه وعظمته، إن ممدوح المتنبي باعتباره قد نال هذه الحظوة لهو بحق ذلك البطل الذي طالما داعبه خيالنا الأسطوري الذي ضاق بالواقع فمضى يستنجد به من بطش الوحش الذي يتهدد كل واحد فينا. ولما كان وحش المتنبي من الشراسة والبطش مالا يوجد في أي وحش آخر، فقد كان البطل الممدوح من القوة والبطولة بحيث أنه [يقف] في جفن الردى وهو نائم. ومن الخطورة والأهمية بحيث أنه يصبح "عيدا للعيد"، ومن المكانة والتقدير بحيث أنه منتظر من السيف، يتلقى الاعتذار من الدهر، والترحيب من أرض العدو. 
(فـ)ـالدهـر معتــذر والسيف منتظـر
وأرضهم لـ(ه) مصطاف ومرتبع
الممدوح أيضا، كان دائما ذلك القائد الخرافي الذي يذل الأعداء، ويخضع الطبيعة، ويهزم، يروض، ويرعى كائناتها، أليس هو المقصود بقول الشاعر:
أسد فرائسها الأسود يقودهـــــا أسد يصير له الأسود ثعالبـــا؟
ثم أليس هو صاحب ذلك الجيش الذي يخترق المكان تماما في قوله:
فشرق حتى ليس للشرق مشرق وغرب حتى ليس للغرب مغرب؟
أو ليس هو أيضا الذي سخر الكواسر ضد عدوها حتى بات يطمع الطير فيهم طول أكلهم حتى تكاد على أحيائهم تقـــــع؟
إن صورة الممدوح لتتجاوز فعلا المألوف، لتفتض تخوم الذروة، هي تسمو مع مخيال الشاعر إلى عالم النشاز، تماما مثلما تنحط صورة المهجو إلى بؤرة الدونية، فإذا هو أيضا، كائن غريب، لكن غرابته إنما تنبع أساسا من لا تناهي الرداءة فيه.
فلعل فورة الغضب والسخط والنقمة؛ هي التي تدفع المتنبي إلى أن يكون مقذعا، شديد الإقذاع في هجائه، فإذا بنا حيال صورة لا آدمية ممسوخة اشد ما يكون عليه المسخ مشوهة اشوه ما يكون عليه التشويه، وإذا معجم الرداءة والانحلال والفساد، في حضوره، لا يعبأ، لا يرضخ لاعتدال أو تعديل، و إنما هي موجة، أمواج من الدوال الموغلة في الدونية والدلالات المتعمقة انحطاطات ضـرب بإنسانية المهجو تقصيها عنه لتعريه، تفضح فيه نقصه وضآلته.
إن مهجو المتنبي هو الفساد في جوهره، فإذا به وهو يسخر منه، وهو يعبث به، وهو يعريه من زائف الأقنعة يبني خطابا لا يكترث بصارم النواميس، وإنما هو يمضي في إشانته وإقذاعه، إلى حد أقل ما يقال عنه إنه اللاحد...
فالمهجو قد يكون ذاك المخصي الذي قال عنه:
لقد كنت أحسب قبل الخصــ ي أن الرؤوس مقـر النهـى
فلما نظرت إلى عقلـــه رأيت النهى كلها في الخصى
وقد يكون ذلك القرد الضاحك أو العجوز اللاطمة ... وقد يكون منتميا إلى أولئك الذين:
لا يقبض الموت نفسا من نفوسهم   إلا وفي يده من نتنها عود.
وقد يكون كذلك ، ذلك الذي يأبى الشاعر إلا أن يجند له كل آليات القذع والشتم، وأن يتجاوز في هجوه أتفه حدود الأخلاق مثلما حدث في القصيدة التي مطلعها:
ما أنصف القـوم ضبـة وأمــه الطرطبــة
بهذا يتأكد لنا أن المتنبي كثيرا ما جاوز الحد والمألوف في نحته لكيان الممدوح أو في هدمه لإنسانية المهجو لكن الأكيد أيضا أن هذا التجاوز على مستوى المعنى لا بد أن يرافقه تجاوز على مستوى المبنى.