عندما يصبح المواطن مستهلكا.. أهمية المدرسة في تكوين اليد العاملة

وضحنا تنامي أهمية المدرسة بما هي مكان لتكوين اليد العاملة.
مع ذلك لم ينتف تكوين المواطن ولكن يلاحظ، هنا أيضا، ذلك الانزلاق من الدائرة الأيديولوجية إلى الدائرة الاقتصادية.

كان كلود أليغر يشدد على مدى أهمية التعليم الإجباري «لإعداد الشباب للعيش كمواطنين» ويطالبه «بأن يلقن، أكثر من أي وقت مضى، القيم الجمهورية التي تؤسس حياتنا الجماعية وتبني ديموقراطيتنا» ويمكن سماع تصريحات مماثلة على لسان كل المسؤولين السياسيين، وخاصة باللجنة الأوربية.

تواصل المدرسة فعلا دورها كمكان لإيصال العقيدة المؤسسة للتماسك الاجتماعي والسياسي بالمجتمعات الغربية: دولنا شرعية لأنها ديموقراطية. يعني ذلك (العمل على) تجاهل كون سلطة الناخب تقف حيث تبدأ مصالح المجموعات المالية والصناعية. وقد باتت تلك المصالح كلية الحضور.

ليست ديموقراطية مجتمعاتنا المزعومة سوى بناء إيديولوجيا لأجل تمويه  ديكتاتورية الأسواق. لكنها إيديولوجية فعالة على نحو رهيب، راسخة بعمق في وعي فئات واسعة من السكان، لاسيما الطبقات المتوسطة المثقفة،  صانعة «الرأي العام» تلك.

لم يضع «تحويل المدرسة إلى سلعة» حدا لدورها بما هي جهاز إيديولوجي للدولة، لكن  ينبغي الاعتراف أن وسائل أخرى ، مثل الصحف والإشهار والراديو والسينما وخاصة التلفزة، باتت تساعدها في ذلك المجال  بل تحل محلها.

ومن جهة أخرى، وحتى في مجال  تكوين المواطن، يوجد المستهلك حاليا في صلب الاهتمامات المدرسية.
إذ يتعذر خلق أسواق جماهيرية جديدة، مرتبطة بالتكنولوجيا الصاعدة، دون اكتساب الزبائن المحتملين للمعارف وللكفايات التي تتيح لهم استغلال تلك المنتجات، ودون التغلب على مخاوفهم.

يبدو أن اكبر كابح لتطور التجارة الإلكترونية في إنترنت، على سبيل المثال، هو سيكولوجي أكثر مما هو تقني.
والحال أنه يتعين على ذلك القطاع، وفق مكتب الدراسات ميريل لانش Merryl Lynch، أن يشكل سوقا بقيمة 500 مليار دولار في نهاية 2000.

وتبدي لجنة ريفير Reiffers ،التي أسستها إديت كريسون في بداية التسعينات قصد التفكير في مستقبل التعليم الأوربي،مخاوفها قائلة: «يمكن الشك في تبوأ قارتنا المكانة الصناعية التي تستحق في هذه السوق الجديدة إذا لم تتمكن أنظمة تعليمنا وتكويننا من المواكبة  بسرعة، لأن تطور تلك التكنولوجيا في سياق منافسة دولية محتدة يستلزم أن تكون تأثيرات الحجم قادرة على إتيان مفعولها كليا.

فإذا لم يوظفها عالم التعليم والتكوين، سيفوت أوان تحول السوق الأوربية إلى سوق جماهيرية».
وبعد ذلك ببضع أشهر، صرحت إديت كرسون خلال ندوة أمام جمهور من رجال صناعة تكنولوجيا الإعلام والاتصال قائلة: «مازالت السوق الأوربية ضيقة جدا وبالغة التشتت، و تلحق قلة المستعملين والمبدعين الضرر بصناعتنا (...) لذلك وجب اتخاذ بعض التدابير لمساعدتها وحفزها.

وتلك غاية خطة عمل «التعلم في مجتمع الإعلام» التي تبنتها اللجنة في أكتوبر عام 1996.
وتحدو تلك الخطة رغبتان أساسيتان: من جهة، مساعدة المدارس للتمكن من تكنولوجيا الإعلام والاتصال، ومن جهة أخرى، تسريع الإقلاع وإعطاء سوقنا ما تحتاج صناعتنا من حجم».

تمثل خطة عمل «التعلم في مجتمع الإعلام» أكبر مشروع أوربي، استثمر به كلود أليغر 15 مليون فرنك فرنسي لتجهيز المدارس الثانوية والإعدادية بالكومبيوتر ولربطها بشبكة إنترنت، واستثمرت في إطاره منطقة والون Wallone 3 مليار فرنك بلجيكي لتجهيز مدارس بلجيكا الناطقة بالفرنسية بالكومبيوتر وربطها بإنترنت، كما وقعت في إطاره دويتش تلكوم على شراكة مع وزارة التعليم  الفيدرالية الألمانية لتسريع تجهيز مؤسسات التعليم  بتقنيات الاتصال والإعلام TIC، الخ.

كانت أقوال إديث كرسون سرية أمام مجلس أرباب عمل سنة 1997.
لكن بعد ثلاثة سنوات جرى كشف النوايا علانية في القمة الأوربية بلشبونة. وهكذا تساءل الوزراء المجتمعون برئاسة البرتغال عن كيفية تدارك التخلف الأوربي في مجال تقنيات الاتصال والإعلام TIC والتجارة الإلكترونية. فكان الجواب بالإجماع هو إدخال تكنولوجيا المعلوماتية إلى مؤسسات التعليم بكثافة.

ويشكل دخول العلامات التجارية marques إلى المدارس سمة أخرى من سمات  ذلك الميل إلى استغلال التعليم لدعم الأسواق.

فمن العلبة البيداغوجية « فطور- صحة» التي أنتجتها شركة نستلي إلى كاسيط فيديو حول «اشتغال المقاولة الحديثة» التي سجلت بصور معمل كوكاكولا دانكيرك Dunkerque  وحده، مرورا بـ «أساتذة الاقتصاد» للمجموعة البنكية CIC، جرى إغراق مؤسسات التعليم بالعروض السخية من تمويل لغايات إعلانية sponsoring ومعدات دياكتيكية مجانية.

أشارت شركة فرنسية لدراسة السوق مختصة في سوق الشباب، والمسماة بكل تواضع «معهد الطفل»، أن الأطفال يؤثرون على استهلاك الأسر بنسبة 43%.

يمثل ذلك بالنسبة لفرنسا سوقا تناهز 600 مليار فرنك فرنسي (90 مليار يورو). مذ ذاك «تشكل مؤسسة التعليم، لا سيما ضمانة المدرس، عنصر مصداقية نفيس بالنسبة للعلامات التجارية، حسب جريدة أرباب العمل Les Echos».

نشرت اللجنة الأوربية، في أواخر 1998 ، تقريرا حول « دراسة السوق بالمدرسة» والتي أنجزته بطلب منها شركة... دراسة السوق (!) GMV Conseil.

يختتم التقرير بعرض جملة خلاصات وتوصيات تشكل، خلف بعض الفروق السطحية، اعترافا بحق دخول العلامات التجارية إلى المدرسة.

واعتبرت «أن دخول دراسة السوق marketing إلى المدرسة دون حواجز قد يخدر حس التلاميذ النقدي ويولد لديهم مشاعر حرمان، ويدفعهم لفهم المجتمع بكيفية ناقصة ويشجع لديهم مواقف منمطة.

لكن إقامة حواجز سيقي من تلك الفخاخ ويتيح ظهور مزايا: مزايا مادية طبعا لصالح أنظمة تعليم تعوزها الإمكانات بشكل مزمن، لكن أيضا مزايا  بيداغوجية، لأن دخول دراسة السوق marketing إلى المدرسة يفتحها على عالم المقاولة وعلى واقع الحياة والمجتمع، ويسمح من جهة أخرى بتلقين التلاميذ مسائل الاستهلاك بوجه عام وتقنيات الإعلان التجاري (الإشهار) بوجه خاص (...)

 ولتمكين المدرسة من أقصى إفادة مالية وبيداغوجية من أعمال دراسة السوق في المدرسة ومنع الانحرافات «على الطريقة الأمريكية»، توصي الدراسة (...) بالضغط باستمرار على المقاولات لتستمر في صنع معدات ذات جودة وفقا للمعايير الآنفة، وبالتدخل لدى السلطات الوطنية المسؤولة عن التعليم لأجل تحيين النصوص القانونية المطبقة على «الممارسات التجارية» على ضوء تكاثر وسائل الإعلام الجديدة.

وينبغي على تلك النصوص، من جهة أخرى، أن تعترف بشرعية بعض  الممارسات «الجيدة» التي باتت واسعة الانتشار، مما قد يزيد مصداقيتها  في منع ممارسات مصرح بها على نحو اقل».
أحدث أقدم

نموذج الاتصال