العائق في البيداغوجيا: من حجر عثرة إلى فرصة للنمو والتعلّم
يُعد العائق جزءًا أصيلًا من المسار التعليمي؛ فهو يمثل تلك النقطة الحرجة التي تقف حائلاً بين المتعلم والمعرفة المبتغاة، أو بينه وبين إتقان مهارة محددة. قد يبدو هذا العائق في الوهلة الأولى كجدار سميك أو لغز مستعصٍ، إلا أن الفلسفة البيداغوجية الحديثة لا تراه عقبة حقيقية تقوض مسار التعلم، بل فرصة ثمينة ونقطة انطلاق حاسمة نحو التطور المعرفي والمنهجي. إن جوهر هذه النقلة يكمن في تحويل طبيعة التعامل مع الخطأ من مجرد نتيجة سلبية يجب تصحيحها، إلى مؤشر دقيق يكشف عن مكامن الخلل البنيوية في عملية الفهم والتطبيق.
النقلة النوعية: من تصحيح الخطأ إلى تجاوُز العائق
تقليديًا، عندما يرتكب المتعلم خطأً، كان التركيز ينصب على النتيجة النهائية (الخطأ) ومحاولة تصحيحها مباشرة. لكن المنظور البيداغوجي المتقدم يطالب الأستاذ بتجاوز هذا المستوى السطحي.
- التركيز على العملية بدلاً من النتيجة: الهدف الأسمى ليس مجرد محو الخطأ أو استبداله بالإجابة الصحيحة، بل هو فهم الأسباب العميقة والمسار المعرفي الذي قاد المتعلم إلى ارتكاب هذا الخطأ. هل كان السبب سوء فهم لمفهوم أساسي؟ هل هو فشل في تطبيق منهجية معينة؟ هل هو تدخل لمعرفة سابقة خاطئة (تمثل عائقاً إبستمولوجياً)؟
- تشخيص العوائق: يُصبح الخطأ هنا بمثابة أداة تشخيصية. يجب على الأستاذ أن يُفكك العملية الذهنية للمتعلم لكي يحدد بدقة أي العقبات المعرفية أو المهارية أو حتى السيكولوجية هي التي تقف في طريق تقدمه. هذا التحليل يسمح بتقديم تدخل تعليمي فعال ومُخصص.
مفهوم "الهدف العائق": البوابة المنهجية للتجاوز
ينبع من هذا التحول في التعامل مع الخطأ مفهوم "الهدف العائق" (L’Objectif-Obstacle)، وهو مفهوم ريادي لا يركز على الإتقان العام للمعرفة، بل يركز تحديداً على العملية الموجهة نحو تجاوز التحدي.
الهدف العائق هو: صياغة واضحة ومحددة تصف التحدي الذي يجب على المتعلم أن يتغلب عليه، وتحدد الخطوات والإجراءات المنهجية التي سيتعلمها ويطبقها لكي يتجاوز هذا العائق بنجاح. إنه يركز على كيف سيتعلم الطالب تفكيك الجدار، لا على مجرد الإجابة الصحيحة.
بصياغة أخرى، الهدف التقليدي قد يكون "أن يحل الطالب معادلة من الدرجة الثانية". أما الهدف العائق المقابل قد يكون "أن يميز الطالب بين متى يستخدم المميز (دلتا) ومتى يستخدم التحليل المباشر (المتطابقات الهامة)، ليتغلب على الخلط المنهجي بين الطريقتين في سياقات مختلفة". هذا التركيز يضمن تعلماً أعمق وأكثر استدامة.
ترجمة العائق إلى هدف تعليمي: خطوات عملية ومنهجية
إن تحويل العائق من مشكلة إلى هدف يتطلب منهجية مدروسة وواعية من قبل المربي:
1. تحديد العائق وتشخيصه بدقة:
- الطبيعة المعرفية: هل هو عدم فهم لمفاهيم أساسية أو خلط بين نظريات مختلفة؟
- الطبيعة المهارية/الإجرائية: هل هي صعوبة في تطبيق خطوات منهجية (مثل البرهان أو التحليل)؟
- الطبيعة العاطفية/السيكولوجية: هل هو نقص في الدافعية، أو خوف من الفشل، أو إحساس بالعجز يمنعه من المحاولة؟
- يجب تحديد نقطة الضعف بدقة عالية (مثل استخدام اختبارات تشخيصية أو تحليل أعمال المتعلمين).
2. صياغة الهدف العائقي (القابل للقياس):
- يجب أن يُصاغ الهدف بعبارة سلوكية واضحة تصف ما سيتمكن الطالب من القيام به بعد التجاوز.
- مثال: بدلاً من "أن يفهم قواعد الإملاء"، يصبح "أن يُطبق الطالب قاعدة الهمزة المتوسطة بشكل صحيح في 90% من الكلمات المعطاة، متجاوزاً بذلك الخلط بين قواعد الحركة الأقوى".
3. تحديد الإجراءات والخطوات المتسلسلة:
- يتطلب تجاوز العائق وضع خطة عمل تتضمن أنشطة تعليمية مُصممة خصيصاً لاستهداف هذا العائق.
- يجب أن تكون الأنشطة منطقية ومتدرجة، تبدأ من التحديات الأبسط وصولاً إلى التحدي الأصعب، لضمان بناء الثقة تدريجياً.
4. توفير الدعم والتغذية الراجعة (الفيْدباك):
- يجب أن يقدم الأستاذ دعماً مستمراً، ليس فقط في الموارد، ولكن في التوجيه المستمر والتغذية الراجعة التي تركز على الجهد والمنهجية المتبعة في التجاوز، لا على النتيجة النهائية فقط.
- خلق بيئة تعليمية مُحفزة وآمنة تشجع على المحاولة المتكررة دون خوف من الحكم السلبي على الخطأ.
فوائد استثمار العوائق في التعلم:
إن هذا التوجه البيداغوجي لا يقتصر أثره على تحسين الأداء الأكاديمي، بل يمتد ليُعزز جوانب النمو الشخصي للمتعلم:
- تنمية الدافعية الداخلية: عندما يرى الطالب أن التحدي ليس نهاية الطريق بل هو جزء من عملية يمكنه السيطرة عليها وتجاوزها، يرتفع شعوره بالكفاءة ويزداد دافعه الذاتي للتعلم والمحاولة.
- بناء مهارات حل المشكلات المنهجية: يتحول الطالب من مستهلك للمعرفة إلى مُفكر استراتيجي قادر على تشخيص المشكلات وتصميم الحلول المناسبة لها في سياقات مختلفة.
- تعزيز الثقة بالنفس والقدرة على التكيف: يُكسب النجاح في تجاوز عائق محدد الطالب شعوراً عميقاً بالثقة في قدراته على مواجهة تحديات الحياة المختلفة، مما يُعزز من مرونته وقدرته على التكيف مع التغيير.
- تحسين جودة وعمق التعلم: بدلاً من الحفظ السطحي، يُصبح التعلم تفاعليًا وعميقًا، حيث يُبنى الفهم على أساس متين بعد تفكيك وإعادة بناء للعوائق المعرفية السابقة.
خاتمة:
إن تبني مفهوم "الهدف العائق" يمثل بالفعل نقلة نوعية في البيداغوجيا الحديثة. إنه تحول من منطق "تصحيح الأخطاء" إلى منطق "تمكين المتعلم من التجاوز". من خلال هذه الرؤية، يُصبح الأستاذ مهندساً لعمليات التعلم، حيث لا يقدم المعرفة جاهزة، بل يُصمم المسارات التعليمية التي تستثمر العوائق كنقاط قوة لدفع المتعلم نحو نمو معرفي ومهاري مستدام.