يُعد النقاد والباحث المغاربي نجيب العوفي أحد أبرز العلامات النقديّة التي أسهمت في توطين المناهج اللسانية والسيمائية في المقاربة النقدية للنص الأدبي العربي. وقد تميز تطبيقه النقدي بالاتكاء على النموذج العاملي (نظرية العوامل)، المستوحاة من الطرح السيمائي للناقد الفرنسي-الليتواني ألجيرداس جوليان غريماس (Algirdas Julien Greimas)، والتي تعود جذورها التأسيسية إلى الأعمال المورفولوجية للناقد الروسي فلاديمير بروب (Vladimir Propp) في تحليله للحكاية العجيبة.
في هذا المقال الشامل، نسلط الضوء على كيفية تمثل نجيب العوفي للنموذج العاملي، وتصنيفه للفاعلين والمكونات الذاتية والموضوعية، مع استعراض الأمثلة التطبيقية التي استقى منها العوفي شواهده النقدية من عيون المجموعة القصصية المغربية.
1. الأصول المفهومية: من مورفولوجيا بروب إلى سيمائيات غريماس
تستند نظرية العوامل (النموذج العاملي) إلى تحول منهجي مهم في تاريخ نقد السرد:
- تأسيس فلاديمير بروب: قام بروب بتحليل وظائف الشخصيات في الحكايات الشعبية الروسية، مختزلاً أرباب الدور الأدبي في سبعة أدوار رئيسية (مثل البطل، المساعد، المعتدي، المُرْسِل).
- تطوير غريماس (النموذج العاملي): قام غريماس بتجريد هذه الوظائف وتكثيفها في خطاطة سيمائية بنيوية تتكون من ستة عوامل متقابلة في أزواج (الذات / الموضوع، المُرْسِل / المُرْسَل إليه، المساعد / المعاكس)، مستبدلاً مفهوم "الشخصية" التقليدي بمفهوم "العامل" (L'actant) الذي قد يكون فرداً، أو جموداً، أو قيمة معنوية.
- الاستثمار النقدي عند نجيب العوفي: استوعب نجيب العوفي هذه العدة المنهجية وقام بتكييفها لتناسب السياق النصي والتاريخي للقصة القصيرة المغربية، محولاً البنية السيمائية من أداة تجريدية إلى أداة تُفكك الصراع الوطني والاجتماعي.
2. تصنيف الشخصيات والعوامل السردية عند نجيب العوفي
طوّع نجيب العوفي النموذج العاملي ليتناسب مع قضايا الهوية والصراع المقاوم في القصة المغربية؛ حيث اختزل الصراع السردي في ثلاثة عوامل محورية تشكل مثلث الدلالة:
أولاً: العامل الذات (L'actant Sujet)
يتمثل هذا العامل في القوى السردية (الشخصيات أو الجماعة) التي تحرك الفعل القصصي وتصل القصة ببؤرة التوتر. ويراه نجيب العوفي متجسداً في فعل الدفاع عن الهوية؛ فالذات هنا هي الذات الوطنية المقاومة أو الشخصية المناضلة التي تسعى للحفاظ على الكينونة والوجود ضد طمس المعالم التراثية والوطنية.
ثانيا: العامل المعاكس (L'actant Opposant)
يمثل هذا العامل القوة المناهضة التي تعترض طريق "العامل الذات" وتمنعه من تحقيق غايته السردية. ويصوغه العوفي في فعل الهجوم على الهوية؛ وتتمثل في المستعمر، أو أدوات القمع، أو عوامل التغريب واللابات، وهي كل قوة تسعى لكسر الذات وإلغاء معالم شخصيتها الحضارية.
ثالثاً: العامل الموضوع (L'actant Objet)
هو الهدف أو القيمة المطلوبة التي يدور حولها الصراع بين الذات والمعاكس. ويتمثل عند العوفي في الهوية والوطن باعتباره مدار الصراع؛ فالوطن هنا ليس مجرد رقعة جغرافية، بل هو الموضوع الأسمى الذي تسعى الذات لحمايته واسترداده بينما يحاول المعاكس الاستيلاء عليه أو تدميره.
3. الشواهد والتطبيقات النقدية من متن القصة المغربية
لم يقف نجيب العوفي عند حدود التنظير، بل اختبر كفاءة النموذج العاملي على مدونة قصصية مغربية تأسيسية عكست مخاضات الاستعمار والاستقلال وبناء الدولة الحديثة. ومن أبرز النصوص والمجموعات القصصية التي اتخذها العوفي أمثلة لسنوات الصراع على الهوية:
- مجموعة (وادي الدماء) لعبد المجيد بن جلون: استخرج منها العوفي تجليات الصراع المسلح والفداء، حيث تتواجه الذات المقاومة مع المعاكس الاستعماري فوق أرض الوطن (الموضوع).
- مجموعة (عمي بوشناق) لعبد الرحمن الفاسي: وظفها لرصد نماذج النضال الشعبي والتضحيات الاجتماعية في سبيل صون الذات الوطنية.
- مجموعة (مات قرير العين) لعبد الكريم غلاب: استشهد بها لتبيان البُعد الوجداني والفكري في الصراع بين إرادة التحرر وقوى الكبت والاحتلال.
- مجموعة (قصص من المغرب) لأحمد عبد السلام البقالي: اعتمد عليها للكشف عن تنوع أشكال التجربة السردية المغربية وانشغالها بقضايا الهوية والانتماء.
- مجموعة (فاس في سبع قصص) لأحمد بناني: جعلها نموذجاً للتحليل السيمائي المعماري والاجتماعي؛ حيث تتجسد مدينة فاس كرمز حي للهوية والتراث في مواجهة التحولات المعاكسة.

التعليقات