تعد شخصية مردخاي عمانوئيل نوح (Mordechai Emanuel Noah) واحدة من أكثر الشخصيات المثيرة للجدل والاهتمام في التاريخ الأمريكي واليهودي الحديث؛ إذ يمثل تحولاً محورياً في الفكر اليهودي خلال القرن التاسع عشر، ويوصف بأنه أحد الأبناء الأوائل للفكر الصهيوني السياسي قبل ظهور تيودور هررتزل بعقود.
نشأته وبداية مسيرته (1785 - 1851)
ولد مردخاي عمانوئيل نوح عام 1785 في مدينة فيلادلفيا بالولايات المتحدة الأمريكية، لأسرة يهودية ذات أصول إسبانية وبورتغالية (سفاردية). نشأ نوح في بيئة أمريكية تشهد نمو المبادئ الديمقراطية وحرية التعبير، مما أثر بشكل مباشر في تشكيل شخصيته الطموحة وتطلعاته السياسية والإعلامية.
عمل نوح في مجالات متعددة خلال حياته، حيث تميز بكونه كاتباً مسرحياً، وصحفياً، ومحامياً، وقاضياً، وسياسياً بارزاً. شق طريقه في الحياة العامة بنجاح كبير، ليغدو واحداً من ألمع الشخصيات اليهودية في المجتمع الأمريكي خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.
الدور السياسي والدبلوماسي: قنصل أمريكا في تونس
نتيجة لنشاطه السياسي ودعمه لحزب الديمقراطيين الجمهوريين، حظي نوح بثقة الإدارة الأمريكية، وشغل مناصب حكومية عالية وهامة. كان أبرز هذه المناصب تعيينه من قبل الرئيس الأمريكي جيمس ماديسون عام 1813 في منصب قنصل الولايات المتحدة الأمريكية في تونس.
شكلت فترة عمله في شمال إفريقيا محطة مفصلية؛ حيث كُلف بمهمة تحرير البحارة الأمريكيين المأسورين لدى قوات أمراء البحر في منطقة الساحل البربري. ورغم نجاحه في مفاوضات الفدية والإفراج عن الأسرى، إلا أن وزارة الخارجية الأمريكية أقيلته لاحقاً بناءً على اعتبارات متعلقة بدينه وطريقة إدارته للملفات المالية، وهو الموقف الذي أثار غضبه ودفعه للدفاع عن حقوق المواطنة والمساواة لليهود في أمريكا.
مشروع "أراراط": محاولة تأسيس وطن يهودي في أمريكا
بعد عودته إلى الولايات المتحدة، ركز نوح جهوده على قضايا وطنه وشعبه، وبدأ يطرح أفكاراً تجديدية لحل "المسألة اليهودية" والتخفيف من معاناة اليهود المكتوين بنار الاضطهاد في أوروبا الشرقية والوسطى.
كان نوح من أبرز المفكرين الذين آمنوا بإمكانية إقامة دولة أو ملجأ آمن لليهود على جزء من أراضي الولايات المتحدة الأمريكية. وتجسد هذا المشروع في تأسيس مستعمرة يهودية أطلق عليها اسم "أراراط" (Ararat)، تيمناً بالجبل الذي استقرت عليه سفينة نوح وفق رواية العهد القديم.
- موقع المشروع: اختار نوح جزيرة غراند (Grand Island) الواقعة في نهر نيويورك بالقرب من شلالات نياجرا لتكون مقر المحمية أو الدولة المأمولة.
- الاحتفال المهيب (1825): في سبتمبر 1825، نظم نوح احتفالاً ضخماً ومبهراً لوضع حجر الأساس للمشروع في إحدى كليات مدينة بوفالو. أعلن نفسه "حاكماً وقاضياً لإسرائيل"، وارتدى رداءً أرغوانياً فاخراً، وأصدر إعلاناً يدعو فيه يهود العالم للهجرة إلى "أراراط"، مع فرض ضريبة سنوية بسيطة على كل يهودي لدعم المستوطنة.
فشل المشروع والتحول نحو فلسطين
رغم الحماس الكبير والتغطية الإعلامية الواسعة، باء مشروع "أراراط" بالفشل الذريع. ويرجع ذلك أساساً إلى:
- غياب الاهتمام والتحمس من قبل الحاخامات والقيادات اليهودية في أوروبا وأمريكا، الذين رأوا في الفكرة تصرفاً فردياً مجرداً من الشرعية الدينية والسياسية.
- عدم رغبة اليهود الأوروبيين في الانقال إلى منطقة نائية وغير مطورة في ذلك الوقت.
أدى هذا الخذلان إلى تغيير جوهري في موقف مردخاي نوح الفكري. إذ أدرك أن القومية اليهودية لا يمكن فصلها عن البعد التاريخي والديني، واعترف صراحةً بأن الدولة اليهودية لا يمكن أن تقوم إلا على أرض فلسطين (الشرق الأوسط). متحولاً بذلك من الفكرة الإقليمية البديلة إلى صهيونية استيطانية تتجه مباشرة نحو فلسطين، حيث ألقى خطاباً شهيراً عام 1844 يطالب فيه العالم المسيحي بمساندة اليهود لاستعادة أرض أجدادهم.
وفاته وأثره في التاريخ اليهودي
توفي مردخاي عمانوئيل نوح عام 1851 في مدينة نيويورك عن عمر يناهز 65 عاماً، تاركاً بصماته الواضحة في تاريخ الشعب اليهودي في العصر الحديث.
يمثل نوح الجسر الرابط بين أفكار التنوير اليهودي والصهيونية السياسية التي تبلورت لاحقاً في نهاية القرن التاسع عشر. ورغم فشل تجربته العملاتية في "أراراط"، إلا أن جرأته في طرح فكرة الجغرافيا السياسية لليهود جعلت منه شخصية محورية ينظر إليها المؤرخون كأحد الرواد الأول الممهدين للفكر الصهيوني الحديث.

التعليقات