تُعد الزاوية الوفائية واحدة من المعالم المعمارية والتاريخية البارزة في مدينة القدس القديمة، والتي تعكس ثراء التراث الإسلامي وتنوع المباني الوقفية والدينية التي شهدتها المدينة خلال العصر المملوكي. وتكشف القصة التاريخية لهذه الزاوية عن تعاقب الوظائف العمرانية والاجتماعية التي مرت بها، بدءاً من أصولها التاريخية الأولى كدار سكنية، مروراً بتحولها إلى زاوية صوفية ووقف ديني، وصولاً إلى واقعها المعماري والحضري اليوم.
في هذا المقال الشامل، نسلط الضوء على أصل تسمية الزاوية الوفائية، تاريخ إنشائها، تطور اسمها عبر العصور، إضافة إلى طرازها المعماري ومآلها في النسيج العمراني للقدس.
النسب والتأسيس التاريخي للزاوية الوفائية
تعود نسبة الزاوية الوفائية إلى الشيخ الصوفي والشيخ الجليل تاج الدين أبي الوفا محمد، أحد أعلام التصوف والعمل الوقفي في القدس خلال القرن الثامن الهجري.
- تاريخ الشراء والتأسيس: تشير الوثائق والمصادر التاريخية إلى أن الشيخ أبا الوفا قد اشترى هذا العقار في عام 782 هجرية (الموافق 1380 ميلادية).
- فترة الإنشاء: يُرجح المؤرخون والباحثون في الآثار المقدسيّة أن مبنى الزاوية قد أُنشئ في هذا التاريخ تقريباً (سنة 782هـ / 1380م) أو في فترة زمنية قريبة جداً منها، لتُوقف كزاوية علمية ودينية تخدم الفقراء والمترددين على بيت المقدس.
التسميات السابقة والتحولات التاريخية للبناء
لم يقتصر اسم هذا المعلم المقدسي على "الزاوية الوفائية"، بل شهد العقار تسميات ومراحل تاريخية متعددة تعكس مكانته والرموز التاريخية التي تعاقبت على منطقته:
1. دار معاوية بن أبي سفيان
عُرِف الموقع قديماً وبحسب الروايات والتركات التاريخية في القدس بـ دار معاوية بن أبي سفيان، نسبة إلى الصحابي والخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان، مما يمنح الموضع بعداً تاريخياً وعمقاً أثرياً يمتد إلى فترات الفتح الإسلامي الأول للقدس.
2. دار ابن العائم
شهد المبنى في مراحل لاحقة تسمية أخرى؛ حيث عُرِف بـ دار ابن العائم، نسبة إلى إحدى الشخصيات أو العائلات المقدسيّة البارزة التي استقرت أو ملكت البناء في حقبة زمنية سابقة قبل انتقاله إلى ملكية الشيخ أبي الوفا الوفائي.
التخطيط المعماري والهيكل البنائي للزاوية
تتميز الزاوية الوفائية بطراز معماري يتناسب مع وظائف الزوايا الصوفية والدور السكنية الكبيرة في العمارة الملوكية والمقدسية:
- الهيكل الخارجي والطبقات: يتكون البناء المعماري للزاوية من طابقين متكاملين.
- المرافق الداخلية: يضم الطابقان عدداً كبيراً من الغرف والقاعات المتنوعة المساحة، والتي كانت تُستخدم قديماً لإقامة المريدين، واستضافة الزوار، وإقامة حلقات الذكر والتعليم، فضلاً عن المرافق الخدمية والمعيشية.
- النمط المعماري المقدسّي: يعكس المبنى استخدام الحجارة القدسية الصلبة، والعقود القبيّة، والممرات التي توفر التهوية والإنارة الطبيعية وسط النسيج العمراني المكتظ للبلدة القديمة.
الواقع الحالي للبناء: دار البديري
مع مرور العقود والتحولات الاجتماعية والسياسية في مدينة القدس، تغيرت الوظيفة الأساسية للمبنى من زاوية تعليمية ودينية صوفية إلى مسكن عائلي:
- التحول إلى دار سكن: أصبحت الزاوية الوفائية اليوم تُستخدم كـ دار سكن عائلية.
- الاسم الحالي (دار البديري): يُعرف المبنى في الوقت الحاضر بـ "دار البديري"، حيث تسكنه وتقوم على رعايته عائلة البديري المقدسيّة العريقة، محافِظةً بذلك على الشواهد المعمارية والتاريخية لهذا الصرح الأثري الممتد لعقود طويلة.
التعليقات