"طيف" مصطفى المعداوي: تمثيل العلاقة بين التحرر الشكلي والارتباط بالواقع؛ دراسة في المعجم والحقول الدلالية والتقنيات الإيقاعية (التوازي والتكرار)

دراسة وتحليل قصيدة "طيف" لمصطفى المعداوي: تكسير البنية ورؤية الواقع

1. تأطير النص في سياقه العام: تحولات الواقع وضرورة التغيير

لم يعد من المقبول أن تستمر القصيدة العربية على نفس المنوال الذي انتهجته في ظل التيار الوجداني الحديث. فالواقع العربي شهد سلسلة من الأحداث الجسيمة والمفصلية التي أدت إلى تحول عميق في الوعي والرؤية، وهي أحداث ألقت بظلالها الثقيلة على الوجدان الشعري. وتأتي في صدارة هذه الأحداث النكبة (1948) والنكسة (1967)، اللتان شكلتا محور الصدمة والإحباط. وقد سبقت هذه الأحداث المؤلمة نتائج الحرب العالمية الثانية التي كانت قد تركت بصماتها العميقة على المنطقة العربية، فخلقت مناخاً سياسياً وثقافياً مضطرباً يفرض ضرورة التعبير بأدوات جديدة تكون أكثر قدرة على استيعاب هذا التحول الجذري في الحياة العربية.


2. تحول القصيدة العربية: التنوع الثقافي والانفتاح على العالمية

في هذا المناخ، تطورت حركة الشعر الحر (شعر التفعيلة)، لتحدث تحولاً عميقاً طال القصيدة العربية شكلاً ومضموناً. كان هذا التحول نتاجاً لـتنوع ثقافي واسع أثرى تجربة الشعراء، الذين أداروا ظهورهم للعزلة وانفتحوا على الثقافة الغربية المعاصرة.

شمل هذا الانفتاح تأثراً قوياً بـ:

  • الاتجاهات الفلسفية: لا سيما الفلسفة الوجودية (بما تحمله من قلق حول الذات والحرية) والواقعية الاشتراكية (التي تدعو إلى الالتزام بقضايا المجتمع).
  • رواد الشعر الغربي: مثل ت.س. إليوت، وبابلو نيرودا، ولويس أراغون، حيث استلهموا منهم تقنيات البناء الشعري الحديث.
  • الأجناس الأدبية الأخرى: لم يقف التأثر عند الشعر، بل امتد إلى الرواية والمسرح، ما أثرى المخيلة السردية للشعراء الجدد.
  • الثقافات القديمة والتراث العربي: بالتوازي مع الانفتاح، عاد الشعراء إلى الثقافات القديمة (كالبابلية والآشورية والفارسية واليونانية الرومانية) لتوظيف رموزها، ولم يغفلوا ثقافة أمتهم، بل نبشوا في الشعر الصوفي والتجارب الروحية المهملة، والتراث السردي (مثل حكايات ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة)، مستفيدين من هذه الكنوز في بناء قصيدتهم المتجددة.


3. رواد حركة الشعر الحر: من المهد العراقي إلى التوسع العربي

ولدت تجربة الشعر الحر في العراق، ومثلتها مجموعة رائدة من الشعراء أبرزهم بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، والعبد الوهاب البياتي. سرعان ما انتقلت هذه الحركة الثورية إلى باقي الأقطار العربية، فبرز روادها في:

  • مصر: صلاح عبد الصبور، وأمل دنقل، وأحمد عبد المعطي حجازي.
  • سوريا: علي أحمد سعيد (أدونيس).
  • لبنان: خليل حاوي.
  • المغرب: كان مصطفى المعداوي من أبرز روادها، إلى جانب محمد بنيس، وعبد الله راجع، ومحمد الخمار الكنوني.


4. تكسير البنية: خرق القواعد الشعرية التقليدية

كان الهدف الجوهري لحركة الشعر الحر هو خرق القواعد الشعرية الصارمة للقصيدة العربية القديمة، والتي تقوم على نظام الشطرين المتناظرين وتقيد الشاعر بـوحدة الوزن، ووحدة القافية، ووحدة الروي، والتصريع. رأى هؤلاء الشعراء في هذه القيود حداً لإبداعهم ومرونتهم التعبيرية. لهذا، استبدلوا نظام البيت بـنظام السطر الشعري، الذي منحهم حريات واسعة وإمكانات فنية غير مسبوقة، وهو ما يُعرف بـتكسير البنية.


5. التحولات الشكلية في قصيدة "طيف" (مصطفى المعداوي):

يعكس الشكل الطباعي لقصيدة "طيف" التحول الجذري:

  • نظام السطر: اختلفت الأسطر طولاً وقصراً بشكل واضح، مما يشير إلى اختلاف الوزن وعدم الالتزام بعدد محدد من التفاعيل في كل سطر.
  • المقاطع الشعرية: انتظمت القصيدة في ستة مقاطع شعرية (فقرات)، تباينت هي الأخرى في عدد أسطرها، بعيداً عن نظام وحدة الأبيات.
  • تعدد القافية والروي: تم كسر وحدة القافية والروي، فنجد القافية تتعدد بأشكال مترادفة، متواترة، ومتداركة، كما تعددت أحرف الروي (نون، راء، ميم، جيم، لام)، ما يمنح الموسيقى الداخلية تنوعاً وحرية.
  • العنوان الرمزي: جاء العنوان كلمة واحدة نكرة "طيف"، تحمل دلالة الإيجاز والتكثيف، وتحيل دلالياً على الشيء الغامض أو غير الواضح المعالم الذي لا يحضر إلا في الخيال، ما يفتح البضاء أمام التأويل الرمزي.


6. المضمون والمعجم والدلالة في القصيدة:

تبدأ القصيدة بدعوة الشاعر مصطفى المعداوي (الذي عاش بين 1937-1961) لـ"الطيف" لزيارة خياله، لكونه يمتلك ذكرى وقصيدة طرية في الذاكرة. ويصف الشاعر الطيف بـ**"اللحن المزغرد الطروب"**، لكن الطيف لا يستجيب ويرحل مودعاً، رغم رجاء الشاعر وإغرائه، ما يؤكد حالة الأمل المغادر أو المحبط.

  • المعجم: اكتشف قارئ القصيدة اختفاء المعجم التراثي (الذي ساد مع الإحياء) لصالح توظيف الرمز. كان الرمز هنا من مصدر لغوي، حيث استُخدمت الألفاظ لغير معانيها المعجمية المباشرة، مما يكثف الدلالة.
  • الحقول الدلالية: يهيمن على النص حقلان رئيسيان: "حقل الطيف" (مثل: شعاع أمسية بعيدة، يا أيها الطيف المرفرف، يا أيها اللحن الطروب)، و**"حقل أمل الشاعر وتفاؤله"** (مثل: غذيتها بمشاعري، أرى الحياة على شفاهك تبتسم، الزهو انتشى). يجمع الحقلين علاقة ترابط وتكامل؛ فتفاؤل الشاعر يبقى معلقاً باستجابة الطيف ووجوده.

7. المستوى الإيقاعي: تفعيلية الكامل والتحرر من الشطرين

على المستوى الإيقاعي الخارجي (الوزن):

  • اعتمد الشاعر على تفعيلة واحدة هي تفعيلة بحر الكامل (متفاعلن) كوحدة موسيقية أساسية، دون الالتزام بعدد محدد من التفاعيل في كل سطر. وقد أجرى عليها بعض التغييرات (علتي الإضمار والترفيل) لزيادة مرونة النغم.
  • يؤكد كسر الأسطر وعدم انتهاء بعضها بوقفة دلالية (ظاهرة التدوير أو امتداد المعنى) على التحول الكبير في بنية القصيدة، حيث ينتهي السطر ويستمر المعنى في السطر التالي، مؤكداً تكسير البنية.

على المستوى الإيقاعي الداخلي:

  • التوازي: وظف الشاعر التوازي التركيبي في بعض الأسطر، حيث تتشابه الجمل في البناء والوحدات المعجمية (مثل: عد للمكان...  لقلبي المتأجج / عد للوشاح، لسحرك المتموج)، ما يخلق إيقاعاً داخلياً متوازناً.
  • التكرار: كان التكرار أداة رئيسية، وشمل:

  1. تكرار التطابق (تكرار نفس الكلمة: الطيف، قصيدة).
  2. تكرار التجانس (التقارب الصوتي: الخميلة/ جميلة، بعيدة/ سعيدة).
  3. تكرار الصيغة الصرفية (عابر/ سائر).
  4. تكرار الحرف (مثل تكرار الميم، الراء، السين، اللام) لخلق نغمة داخلية.

أدت هذه التقنيات وظيفة تأكيدية للدلالة، ووظيفة بلاغية جمالية، ووظيفة إيقاعية للمحافظة على التدفق الموسيقي في ظل غياب وحدة القافية.


8. الصور الشعرية والأساليب: التجسيد والتعبير

  • الصورة الكلية: تشكل القصيدة بأكملها صورة كلية تعكس الحال النفسية للشاعر وهي حال ترقب الأمل المغادر.
  • الصور الجزئية:

  1. التشبيه: ظهر في تشبيه الطيف بـ"الشعاع"، وهي صورة مفردة لأن طرفي التشبيه معنويان.
  2. الاستعارة والتجسيد: كانت الصورة التجسيدية هي الغالبة، حيث أُضفيت صفات إنسانية على مجردات (مثل: الحياة تبتسم، الصباح أطل، الزهو انتشى، اللحن المزغرد)، ما جعل الحياة إنساناً يبتسم. هذه الصورة كانت مركبة لأن طرفيها مختلفان (الإنسان المحذوف والحياة المذكورة).

لعبت الصور الشعرية وظيفة تعبيرية أساسية، فصرح الشاعر من خلالها عما يعتمل في أعماقه.

  • الأساليب: زاوج مصطفى المعداوي بين الأساليب الخبرية (للإثبات والنفي) والأساليب الإنشائية. وكانت الأساليب الإنشائية في مجملها طلبية، خاصة عبر استخدام النداء، الذي حمل معه معاني الاستغراب والدهشة.

9. الارتباط العضوي بين المضمون والشكل:

تعتبر قصيدة مصطفى المعداوي نموذجاً لـالتحول العضوي الذي عرفته القصيدة العربية، حيث أتاح نظام السطر الجديد للشاعر حرية تعبيرية أكبر وتحرراً من وحدة الوزن والقافية والروي.

هذا التحول في الشكل كان مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالمضمون؛ فلم يعد الشاعر مشغولاً بالأغراض التقليدية، بل ارتبطت قصيدته بـالواقع المعاش وقضاياه وسلوكياته السلبية. وأخيراً، ابتعدت لغة القصيدة عن الرصانة والقداسة، واقتربت من لغة اليومي مع الاعتماد على توظيف الرمز المتعدد المصادر، ما زاد من عمقها وكثافتها الفنية.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال