أصناف الزيتون المخصصة للتخليل في تونس:
تتمتع تونس بإرث زراعي عريق في قطاع الزيتون، لا يقتصر فقط على إنتاج الزيوت، بل يمتد ليشمل أصنافاً فاخرة مخصصة للمائدة (التخليل). وتتوزع هذه الأصناف على كامل التراب التونسي من الشمال إلى الجنوب، حيث يتميز كل صنف بخصائص مورفولوجية وبيولوجية تجعل منه علامة فارقة في الجودة والإنتاج.
1. صنف "المسكي": أيقونة الشمال التونسي
يعتبر صنف المسكي من أجود وأشهر أصناف زيتون المائدة في تونس، ويتركز وجوده بشكل أساسي في المناطق الشمالية للبلاد.
- التسمية والسياق الزمني: يُعرف في العديد من الجهات بـ "الأكتوبري"، وهي تسمية محلية مرتبطة بموعد حصاده الذي يحل في شهر أكتوبر، حيث تكون الثمار قد وصلت إلى الحجم المثالي للتخليل قبل أن يتغير لونها بالكامل.
- المواصفات الثمرية: يتميز المسكي بإنتاج ثمار ضخمة الحجم وسميكة اللب، حيث يتجاوز وزن الثمرة الواحدة 6 غرامات، مما يجعلها مرغوبة بشدة في الاستهلاك المنزلي والصناعي.
- المحتوى الزيتي: يُصنف كصنف "لحمي" بامتياز، إذ تنخفض فيه نسبة الزيت لتصل إلى حوالي 12% فقط، وهو ما يجعله مثالياً للتخليل حيث يحافظ اللب على تماسكه ونكهته المميزة.
- التحديات الزراعية والتلقيح: يواجه مزارعو المسكي تحدياً تقنياً يتمثل في "عدم القابلية للتلقيح الذاتي"؛ لذا تتطلب زراعته استراتيجية دقيقة عبر دمج أصناف ملقحة في البستان (مثل البسباسي أو البيشولين الأجنبية) بنسبة مدروسة (شجرة ملقحة لكل 9 أشجار مسكي) لضمان إنتاجية مستقرة.
2. صنف "البسباسي": العملاق الملقّح
يرتبط وجود صنف البسباسي جغرافياً بصنف المسكي، حيث يلعب دوراً حيوياً كشريك في عملية التلقيح في مزارع الشمال.
- الخصائص المورفولوجية: يتميز هذا الصنف بشكل ثمرته البيضاوي الفريد وحجمه الاستثنائي الذي يتفوق على معظم الأصناف الأخرى، إذ يمكن أن يصل وزن الثمرة الواحدة إلى 10 غرامات.
- العيوب التقنية: رغم حجمه الجذاب، يعيبه من الناحية الفنية "التصاق النواة باللب"، وهي خاصية قد تجعل استهلاكه أو تصنيعه أصعب قليلاً مقارنة بالمسكي، لكنه يظل صنفاً أساسياً لا غنى عنه في التوازن البيولوجي للمزارع.
3. صنف "المرسالين": عراقة زراعات الوسط والشمال الغربي
يمثل صنف المرسالين التراث الزراعي التقليدي في مناطق زغوان، بوعرادة، وسليانة، حيث تأقلمت هذه الأشجار مع طبيعة هذه المرتفعات.
- الجودة والجمالية: تتسم ثمار المرسالين بشكل كروي متناسق وحجم كبير يترواح وزنه بين 7 و9 غرامات، مما يمنحها مظهراً ممتازاً عند التقديم كزيتون مائدة.
- الانتشار: لا يزال هذا الصنف يحافظ على تواجده في المساحات التقليدية، ويُعرف بقدرته العالية على تحمل الظروف المناخية المحلية في تلك المناطق.
4. صنف "الزرازي": جوهرة الجنوب التونسي
على عكس الأصناف السابقة، يتمركز صنف "الزرازي" في أقصى الجنوب التونسي، وتحديداً في واحات ومزارع جرجيس وجربة، مندمجاً مع صنف "الشملالي" الشهير.
- ثنائية الغرض: يتميز الزرازي بمرونة فريدة؛ فهو صنف ممتاز للتخليل بفضل حجمه، وفي الوقت ذاته يمتلك كفاءة إنتاجية عالية للزيت تتجاوز 25%، وهي نسبة مرتفعة جداً مقارنة بأصناف المائدة الأخرى.
- القدرة الإنتاجية: يشتهر بطاقة إنتاجية قوية ومستقرة، وتتحسن جودته ومردوديته بشكل ملحوظ عندما يزرع وسط أصناف أخرى تساعد في التلقيح الخلطي، مما يجعله ركيزة اقتصادية هامة لمزارعي الجنوب.
خاتمة: تُظهر هذه الأصناف التنوع الكبير في قطاع الزيتون بتونس، حيث يتوزع التخصص بين الشمال (المسكي والبسباسي) والوسط (المرسالين) والجنوب (الزرازي)، مما يسمح بتوفير خيارات متنوعة للمستهلك التونسي وللأسواق العالمية من زيتون المائدة الرفيع.