بيداغوجيا الأهداف: من فلسفة الغايات إلى هندسة الوسائل
1. الفلسفة الأدواتية: التعليم كصناعة للمردودية
تأسست بيداغوجيا الأهداف ضمن سياق فكري يرى في التربية وسيلة لتحقيق غايات مجتمعية واقتصادية محددة. فلم يعد التعليم مجرد ترف فكري، بل أضحى طرحاً تكنولوجياً أدواتياً؛ حيث تُقاس جودة المنظومة التربوية بمدى فعاليتها وترشيدها للموارد.
في هذا الإطار، تصبح "المردودية" هي المعيار الأسمى؛ فالمدرسة مطالبة بإنتاج مخرجات (متعلمين) يمتلكون مؤهلات تخدم احتياجات سوق العمل وتطلعات المجتمع بدقة متناهية، تماماً كما تخدم الآلة الغرض الذي صُنعت من أجله.
2. من الغايات الكبرى إلى إجرائية الوسائل:
يشير الاستشهاد بـ إليوت إيسنر في كتابه "الخيال التربوي" إلى تحول جذري في الفكر التربوي. ففي حين كانت الفلسفات القديمة تغرق في نقاش "لماذا نعلم؟" (الغايات الوجدانية والروحية)، ركزت تكنولوجيا التعليم الحديثة على "كيف نعلم؟".
لقد أصبح التركيز منصباً على:
- هندسة التخطيط: تنظيم المحتوى التعليمي في خطوات منطقية ومتسلسلة.
- دقة التنفيذ: تحديد الوسائل والوسائط التعليمية الكفيلة بنقل المتعلم من حالته الراهنة إلى الأداء المطلوب.
- الإجرائية: تحويل الأهداف العامة إلى أهداف سلوكية قابلة للقياس والملاحظة، مما يجعل العملية التعليمية قابلة للضبط والتحكم.
3. هندسة الاتصال والتغذية الراجعة:
تعتبر النظريات التكنولوجية أن العملية التعليمية هي في جوهرها عملية اتصالية (Communication). لضمان نجاح هذه العملية، لا بد من توافر عناصر أساسية:
- الرسالة الواضحة: صياغة المعرفة بشكل يسهل استيعابه.
- قنوات التوصيل: استخدام الوسائط المتعددة (فيديو، حاسوب، أقراص مدمجة) لكسر رتابة التلقين التقليدي وجذب انتباه المتعلم.
- التغذية الراجعة (Feedback): وهي العنصر الأهم؛ إذ تتيح للمدرس والمتعلم معرفة مدى التقدم المحرز وتصحيح المسار فوراً في حال حدوث أي خلل في الفهم، مما يضمن الوصول إلى النتيجة النهائية بأقل جهد وزمن ممكن.
4. التكنولوجيا كدعامة للفعل التربوي:
لم يعد استخدام الأجهزة السمعية والبصرية (الكمبيوتر، الأسطوانات، والوسائط الرقمية) مجرد "ترف" أو "إضافة"، بل أصبح جزءاً عضوياً من الفعل التربوي. تساهم هذه التكنولوجيات في:
- تفريد التعليم (يتعلم كل فرد حسب وتيرته).
- محاكاة الواقع وتجسيد المفاهيم المجردة.
- توفير بيئة تعليمية تفاعلية تعزز من مهارات التحصيل السريع.
5. السلوك القابل للقياس: الهدف النهائي
تتوج هذه المقاربة بضرورة التحديد المسبق والواضح لـ السلوكات المرغوبة. فالتكنولوجيا التربوية لا تكتفي بالأمنيات، بل تضع مؤشرات دقيقة لما يجب أن يكون عليه المتعلم بعد انتهاء الدرس. هذا التحديد الدقيق للسلوك يسمح بـ:
- ملاحظة التطور الفعلي للمتعلم.
- تقويم المردودية بشكل موضوعي بعيداً عن الانطباعات الشخصية.
- تحقيق الترشيد الكامل للعملية التربوية بما يتماشى مع معايير الجودة العالمية.