بنية التمثلات وسيرورة بناء المعرفة العلمية: دراسة في بيداغوجيا الخطأ وتغيير المفاهيم لدى المتعلم

التمثلات القبلية كمرتكز للتعلم:

تعد قضية "التمثلات" (Representations) أحد المرتكزات الأساسية في السيكولوجيا التكوينية والبيداغوجيا الحديثة، حيث لم يعد المتعلم يُنظر إليه كوعاء فارغ، بل كذات واعية تحمل إرثاً من التصورات التي تشكلت عبر التفاعل مع المحيط.


أولاً: مفهوم التمثلات وأبعادها المعرفية والسياقية

تُعرف التمثلات بأنها النماذج التفسيرية التي يبنيها الفرد لفهم الواقع من حوله، وهي ليست مجرد أفكار عابرة، بل هي أنساق معرفية متجذرة اكتسبها الإنسان خلال رحلة تكيفه مع محيطه السوسيو-ثقافي.

  • الارتباط بالزمان والمكان: التمثل ليس حقيقة مطلقة، بل هو رؤية نسبية مرتبطة بسياق زمني ومكاني محدد، تعكس المستوى المعرفي الذي وصل إليه الفرد في تلك اللحظة.
  • ثنائية الإيجاب والسلب: قد تكون هذه التمثلات "إيجابية" بحيث تشكل أرضية خصبة لبناء معرفة علمية رصينة، وعندها تحتاج إلى دعم وتطوير. وفي المقابل، قد تكون "سلبية" أو عائقاً معرفياً، مما يستوجب التدخل لتصحيحها وإعادة هيكلتها.

ثانياً: بيداغوجيا الخطأ والتعلم كعملية تصحيح مستمر

انطلاقاً من رؤية "ميشيل سانر" و"باشلار"، يبرز الخطأ كظاهرة صحية وجزء لا يتجزأ من التاريخ الشخصي للمتعلم. فالتعلم الحقيقي ليس حشواً للمعلومات، بل هو سلسلة من التصحيحات المستمرة.

  • الخطأ كمنطلق: يرى "باشلار" أنه لا توجد معرفة موضوعية دون وعي بالخطأ؛ فالمعرفة العلمية تُبنى "على أنقاض" المعارف السابقة التي لم تُبنَ بشكل سليم.
  • الهدم والبناء: دور التربية هنا يتجاوز التلقين إلى تعليم التلميذ كيفية "هدم" أخطائه وتجاوز تمثلاته البدائية، لردم الهوة الفاصلة بين التفكير العامي والمعرفة العلمية الدقيقة.

ثالثاً: التمثلات كمرجعية أساسية في العملية التعليمية

تؤكد الأدبيات التربوية (بياجي وباشلار نموذجاً) على ضرورة تخلي المدرس عن الاعتقاد بأن عقل المتعلم يبدأ التعلم من "نقطة الصفر".

  • المتعلم ليس صفحة بيضاء: يأتي المتعلم إلى الفصل وهو محمل بمخزون من التصورات المكتملة في نظره، والتي يستخدمها لتأويل خطاب المدرس وفهم الوضعيات المقترحة.
  • استثمار الأخطاء: يرى "بياجي" أن أخطاء الأطفال هي المفتاح الحقيقي للكشف عن طبيعة تفكيرهم ومستواهم الذهني، ومن ثمَّ تصبح هذه الأخطاء أداة تشخيصية لا غنى عنها للمربي.

رابعاً: دور المدرس في تحويل التمثلات وتدبيرها

يتمثل الدور الجوهري للمدرس في خلق "جسور معرفية" بين ما يعرفه المتعلم سابقاً وبين المعرفة العلمية المراد اكتسابها.

  • تجنب الانزلاق المعرفي: إذا تجاهل المدرس تمثلات التلاميذ، فإن المعرفة الجديدة ستبقى "سطحية" ولن تنفذ إلى عمق تفكيرهم، مما يؤدي إلى انزلاق المعلومات دون حدوث تعلم حقيقي (التشريب).
  • خلق وضعيات حقيقية: على المدرس أن يكون فاعلاً في تصميم وضعيات تعلمية متنوعة تختبر تمثلات المتعلمين، وتدفعهم نحو "الصراع المعرفي" الذي يؤدي في النهاية إلى تعديل المسارات الذهنية.
  • سيرورة التحويل: التعلم في جوهره هو سيرورة تحويل للتمثلات الأولية ولآليات الاشتغال الذهني، وليس مجرد نقل سلبي للمعلومات الجاهزة.


خامساً: الملاءمة والربط لتحقيق الجودة التعليمية

لتحقيق مردودية تعليمية كبرى، لا بد من إحداث نوع من "الملاءمة" بين تمثلات الأطراف المختلفة في العملية التعليمية.

  • الربط بين العلمي والعامي: إن النجاح في "تغيير المفهوم" يتطلب وقفة تأملية للربط الواعي بين المعارف القبلية (سواء كانت ناتجة عن خبرة حياتية عامية أو معرفة مدرسية سابقة) وبين المعارف الجديدة.
  • الاختبار والتقويم: إن وضع التمثلات في محك الاختبار خلال جميع مراحل السيرورة التعليمية يضمن أن المتعلم ينتقل من تمثلات بسيطة إلى تمثلات أكثر تعقيداً وقوة تفسيرية.

خلاصة القول: إن احترام تمثلات المتعلم والاعتراف بخطئه كحق بيداغوجي هو المدخل الوحيد لبناء معرفة علمية راسخة، حيث يتحول التدريس من "إملاء للحقيقة" إلى "مواكبة للمتعلم" في رحلة تحرره من عوائقه المعرفية.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال