مشروعية وقف النقود.. جواز وقف النقود بغية القرض أو بغية الاستثمار بحصة من الربح (القراض) والصرف منها على وجوه الوقف

بالنسبة لوقف النقود، فقد منعه الجمهور وأجازه المالكية وبعض الحنفية والحنابلة وسنستعرض فيما يلي آراء المجيزين ثم نرى رأي العلماء المعاصرين.
 المذهب الحنفي:
ذكر الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي: "أن متقدمي الحنفية أجازوا وقف الدنانير والدراهم والمكيل والموزون".
وقد ذكر في الفتاوى العتابية، القول بجواز وقفه (أي النقود) في موضع تعارفه أهله بناءً على قاعدة محمد: "وقف بقرة على رباط يشرب من لبنها أبناء السبيل قال: لا يجوز لأنه غير متعارف حتى لو كان في موضع تعارفوا ذلك يفتى بالجواز، قيل كيف؟ قال: الدراهم تقرض للفقراء وتدفع مضاربة ويتصدق بالربح، والحنطة تقرض للفقراء ثم تؤخذ منهم، والثياب والأكسية تعطى للفقراء ليلبسوها عند حاجتهم ثم تؤخذ". ويرى صاحب هذه المخطوطة، أن الحنفية قد قيدوا جواز وقف المنقولات بشكل عام بالعرف الجاري بالزمان والمكان، وفي رده على عدم إمكان الانتفاع بها(النقود) مع بقاء عينها قال: "قلت: نزل بقاء أمثالها منزلة بقاء أعيانها، وبذلك تم صدق التعريف وترتب الأحكام عليها، وإليه أشار بقوله: الدراهم تقرض للفقراء أو تدفع مضاربة ويتصدق بالأرباح، والحنطة تقرض للفقراء ثم تؤخذ منهم، فقد جعل بقاءه في ذمة المستقرض أو يد المضارب بمنزلة بقاء العين، فكأنه يشير بصورة الإقراض إلى انتفاع الفقير بعين الوقف، وبصورة المضاربة إلى الانتفاع بغلّته، وتحقيقه أنهم جعلوا القرض، إعارة وأقاموا رد المثل في ذلك مقام رد عين المأخوذ، لأن رد المثل قائم مقام رد العين حكما،ً ولهذا جاز استقراض الفضة ولو كان صرفاً بنسيئة، وذلك لا يجوز فيكن حبس أمثال النقود بمنزلة أعيانها، وبقاء أمثالها في أثناء الاستعمال في حكم بقاء أعيانها، إذا لا فرق بينهما فيما ير جع إلى المقصود."
المذهب المالكي:
يجوز وقف المنقول وغير المنقول عندهم، مؤقتاً ومؤبداً، فيجوز وقف الجميع من غير قيد الشرط.
وجاء في المدونة في فرع زكاة الأحباس للإمام مالك.
"أما ما تجب الزكاة في عينه ولا تجب في غلته إلا ما تجب فيه الزكاة من الفوائد وذلك: المواشي من الإبل والبقر والغنم والعين من الدنانير والدراهم وأتبارهما، فإذا كان ذلك محبساً موقوفاً للانتفاع بغلته في وجه من وجوه البر، فلا خلاف أن الزكاة تجب في جميع ذلك كل سنة"
وذكر في مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل:
" إذا فرضت فيما إذا قصد بوقف الطعام ونحوه، بقاء عينه فليس إلا المنع، لأنه تحجير من غير منفعة تعود على أحد، وذلك مما يؤدي إلى فساد الطعام المؤدي إلى إضاعة المال، وإن كان على معنى أنه أوقف للسلف إن احتاج إليه محتاج ثم يرد عوضه، فقد علمت أن مذهب المدونة وغيرها الجواز والقول بالكراهية ضعيف."
"وقال في الشامل: وفيها جواز وقف الدنانير والدراهم وحمل عليه الطعام وقيل يكره،(..) من حبس على رجل مئة دينار يتجر بها أمداً معلوماً ضمن نقصها وهي كسلف."
المذهب الحنبلي:
أجاز شيخ الإسلام ابن تيمية وقف النقود حيث قال:
"ولو قال الواقف: وقفت هذه الدراهم على قرض المحتاجين، لم يكن جواز هذا بعيداً، وإذا أطلق وقفاً لنقدين ونحوهما مما يمكن الانتفاع ببدله، فإن منع صحة هذا الوقف فيه نظر، خصوصاً على أصلنا فإنه يجوز عندنا بيع الوقف إذا تعطلت منفعته"
الفقهاء المعاصرون
الدكتور رفيق يونس المصري:
وقد ذكر ما نصه " الخلاصة فإني أرى جواز وقف النقود بغية القرض أو بغية الاستثمار بحصة من الربح (القراض)، والصرف منها على وجوه الوقف، أما وقف النقود بغية إيجارها لتزيين الحوانيت بها وما شابهه، فقد رأى بعض العلماء انه لا يجوز لأنه غرض كمالي لا يتلاءم مع الوقف الذي يراد به الإحسان."
الدكتور مصطفى الزرقا:
حيث قال:" ومن المنقول الذي تعارف الناس على وقفه مستقلاً فأصبح جائز وذكره الفقهاء وقف القدوم والفأس والقدور والجنائز وثيابها والأكسية الشتائية للفقراء والسفن والشجر والدراهم والدنانير وبعض أنواع الأموال الوزنية والكيلية كالقمح"
وربما كان هناك آخرون يجيزون لم يتسنى لي الاطلاع على آراءهم، غير أنني سألت مرة الدكتور عبد الستار أبو غدة في المؤتمر الأول للمصارف والمؤسسات المالية الإسلامية في سورية المنعقد في 13-14/3/2006 في فندق مريديان دمشق عن مشروعية وقف النقود، فأجاب بجوازها.
جميع الحقوق محفوظة لــ تربقافة 2015 ©