زكاة الودائع الجارية في مصرف الوقف الإسلامي.. دور الزكاة الاقتصادي في إعادة توزيع الدخول و تحقيق التوازن بين أفراد المجتمع

 من الإطلاع على آراء العلماء الذين ناقشوا موضوع زكاة الدين، تبين أن جميعهم مشتركون في القول بان هذا الموضوع (زكاة الدين) هو مسألة اجتهادية لم يرد فيها نص من كتاب أو سنة، و أنه يقع ضمن دائرة التعليل و ليس التعبد، كما أنه من آرائهم وترجيحاتهم نجد أنهم مشتركون في تصور المشكلة (زكاة الدين)، ولكنهم تباينوا قليلاً في الترجيح و الفتوى، و الصورة التي حكموا عليها هي صورة زكاة دين فردي أو تجاري، وهي أشمل و أوسع من المشكلة المناقشة في هذا المبحث وهي زكاة القرض و ليس الدين، و الذي يرى الباحث اختلافاً كبيراً بينهما، و لعل الدكتور رفيق يونس المصري وحده على ما قرأت، من أشار إلى هذا الفرق، و كان نتيجة ذلك ميله إلى إعفاء المقرض من زكاة قرضه سواء كان القرض مرجو السداد أم لا، فالصورة المطروحة هنا مختلفة تماماً عن التي ناقشها العلماء الأجلاء، لذلك فإن الباحث يرجح الرأي القائل بان زكاة الودائع الجارية في حالة مصرف الوقف الإسلامي واجبة على المقترض، ومعفاة عن المقرض، و ذلك للعلل التالية:
أولاً: تعتبر الودائع الجارية المودعة في المصارف حسب رأي جمهور العلماء المعاصرين قروض من العملاء إلى المصرف، و لما كانت هذه القرض لا تجر نفع للمقرض فهي إذاً قروض حسنة، و لا يغير هذا الحكم كون الوديعة تحت طلب العميل، لأن القروض دائماً حالِّة شرعا،ً و لا يصح اشتراط الأجل عند الجمهور باستثناء المالكية، فالقرض عندهم تبرع يجوز الرجوع فيه، و الأجل غير لازم و لو كان مشروطا،ً وهو بهذه الحالة كالوديعة الجارية تماما، كما أن الحكم بأنه قرض حسن لا يتغير كما قال الفقهاء سواء كان المقترض غنياً أم فقيراًً.
ثانياً: أما في حالة المصرف المقترح، فيضاف إلى ذلك أن فيها معنى الإحسان، لأن العميل المودع يعلم أن المصرف سيكون وسيطاً بينه و بين المقترض الأخير، الذي سيحصل على قرض حسن آخر، و هذا ما يميزها عن بقية الديون المبنية على تبادل المنافع و ليس الإحسان، وهذا واضح في بيوع التقسيط و الاستصناع وغيرها من الديون التجارية، فالدائن يحسب حساب الأجل عند تحديد السعر وبالتالي يصبح ماله عامل لمصلحته و لو لم يكن تحت يده، فلا داعي هنا لإعفائه من زكاة الدين المرجو.
ثالثاً: لم يعد طالب التمويل (الائتمان) الآن هو ذلك الفقير البائس الذي يريد أن يستهلك القرض لإطعام أهله، فهذا النوع من الناس لا تتعامل معه أية مصارف، وهو نفسه لا يفكر في طلب ذلك منها، فالمعلوم أن المصارف لا تستطيع التمويل بدون ضمانات كافية، وهذه غير موجودة إلا عند الطبقة المتوسطة أو الثرية، و ليس من الجور تحميلها زكاة ذلك القرض، الذي تريد أن تستخدمه لتوسع أعمالها أو لتزيد من رفاهيتها، وخاصة أن القروض لتمويل الحاجات الاستهلاكية (التي لا تنتهي) أصبحت اليوم أمراً شائعاَ عن طريق البطاقات الإلكترونية (credit card) مما أدى إلى ازدياد الطلب و ارتفاع و الأسعار و حدوث التضخم في وجه الفقراء اللذين لا ذنب لهم، فتحميل زكاة القرض على هؤلاء المستهلكين سيخفف من هذا الأثر السيئ على الفقراء الذي أصابهم نتيجة نهمهم للاستهلاك.
رابعاً: أصبح اليوم دور الدولة الحديثة أكثر تعقيداً و شمولية من أي وقت مضى، مما يتطلب منها إنشاء مؤسسات اقتصادية واجتماعية وخدماتية وتعليمية وصحية وغيرها، وإلا تعتبر الدولة مقصرة و لا يستقيم أمر البلد، ولكل مؤسسة من هذه المؤسسات ميزانية سنوية مستقلة وحسابات مصرفية لابد منها للقيام بعملها المطلوب، كما أن للمجتمع المدني الحديث الكثير من النقابات والمنظمات و الجمعيات الأهلية، و التي لكل منها أيضاً ميزانية مستقلة و حسابات مصرفية، وأن مجموع الودائع المصرفية لهذه المؤسسات الحكومية و شبه الحكومية و الجمعيات الأهلية لا يستهان بها، و هذه الودائع يستفاد منها ضمن الجهاز المصرفي كأي ودائع أخرى في عملية إعادة الإقراض وزيادة المعروض النقدي لصالح أرباب المصارف فقط،(في حالة الحسابات الجارية)، بمعنى أنها ستدخل إلى سوق المال و الاستثمار و ستؤثر فيه كغيرها فهي ليست في الخزائن الحديدية لهذه المؤسسات، غير أن هذه الأموال ليست مطرح للزكاة لأنها من المال العام كما هو الرأي السائد، و هي لا تزكى أيضاً من قبل مقترضيها، لأنها ديون في ذمتهم تطرح من أوعية زكاتهم، فهذا يخل بالتوازن الاقتصادي للمجتمع على حساب مصلحة الفقراء، لكننا إذا اعتبرنا دور الزكاة الاقتصادي في إعادة توزيع الدخول و تحقيق التوازن بين أفراد المجتمع، من خلال آلية مادية عملية، نرجح عدم ترك أموال عاملة ضخمة تدور في شرايين الاقتصاد دون اعتبارها مطرح للزكاة، و التي يوافق الباحث أن لا تكون زكاتها على تلك المؤسسات، لأنها أموال عامة ليست مملوكة لأحد معين، إنما زكاتها على المقترض النهائي.
خامسا: لما كان الباحث يرجح رأي المالكية في عدم زوال ملك الواقف عن الموقوف و بالتالي فإن زكاة رأس مال المصرف الأساسي تترتب على المساهمين اللذين لا يحصلون على أي عائد وهذا سيشكل عبء غير منطقي عليهم، و الرأي المختار يحل هذه المشكلة فهم سيعاملون معاملة المودعين و سينتقل واجب أداء الزكاة على المقترضين.
سادسا: يقول الله تعالى في سورة الروم الآية 39 (و ما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله و ما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون) صدق الله العظيم.
و قد ورد في تفسير ابن كثير عن هذه الآية ما يلي: "أي من أعطى يريد أن يرد الناس عليه أكثر مما أهدى لهم فهذا لا ثواب له عند الله، بهذا فسره ابن عباس و مجاهد و الضحاك و قتادة و عكرمة و محمد بن كعب والشعبى، وهذا الصنيع مباح و إن كان لا ثواب فيه، إلا أنه قد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه و سلم " تبادر إلى ذهن الباحث أن في هذه الآية الكريمة تلميح إلى الفرق بين القرض الربوي الذي يدفع المقترض لصاحبه زيادة مشروطة و بين القرض الحسن الذي من الممكن أن يدفع المقترض لصاحبه زكاته السنوية حسب ما ورد سابقاً عند بعض الفقهاء و الله أعلم.
جميع الحقوق محفوظة لــ تربقافة 2015 ©