المجتمع والسلطة عند فرويد.. التحليل النفسي هو تعبير عن الوعي بالقمع الاجتماعي للجنس. الانصياع للنواهي الثقافية المتعلقة بكبت وقمع المتطلبات الغريزية العدوانية والجنسية تحت الإكراه الخارجي والعقاب

لكل مجتمع أسس، وقواعد، ونظم، وضوابط يقوم عليها.. تسهر على حفظها وضمانها وصيانة استمراريتها مؤسسات. وهذه المؤسسات نوعان: مؤسسات إيديولوجية ( المدرسة، وسائل الإعلام، التقاليد، الأعراف...) ومؤسسات قمعية (الدولة،الجيش، البوليس، ...). والمؤسسات، كما يدل عليها اسمها، هي كيانات أسسها الناس لتدبير الخلافات داخل المجتمع ولفرض السلطة المجتمعية.
يرى فرويد أن معظم الناس ينصاعون لسلطة المجتمع تحت ضغط الإكراه الخارجي وحده، وبالتالي كلما كان هذا الإكراه محسوسا إلا و فرض نفسه. فالأنا الأعلى هو معطى خارجي يفرض نفسه على الغرائز. إن التحليل النفسي هو تعبير عن الوعي بالقمع الاجتماعي للجنس.
يذهب فرويد إلى أن الدوافع اللطيفة البنّاءة و المليئة بالحب لدى الإنسان ليست أولية، بل نشأت بصورة ثانوية من ضرورة كبت دوافعه الخبيثة الأصلية و يرى أن الحضارة ما هي إلا نتيجة هذا النوع من الكبت إذ يعتقد أن الإنسان تتحكم فيه بالأصل دوافع شريرة و كلما نما المجتمع و تطور، إلا ومضى في إكراه الإنسان على أن يقمع و يكبت هذه الدوافع. يقول فرويد "إن كل فرد هو.. عدو للحضارة التي هي بالأساس لصالح البشرية قاطبة بوجه عام، و إنه مما يبعث على الاستغراب أن بني الإنسان الذين لا يحسنون الحياة في عزلة وعلى إنفراد يشعرون مع ذلك بوطأة اضطهاد ثقيلة بحكم التضحيات التي تنتظرها منهم الحضارة حتى تجعل حياتهم المشتركة ممكنة". فالحضارة عند فرويد قامت بشكل أساسي على مفهوم الكبت الجنسي. و لا يكفي للمحافظة عليها الاهتمام بالعمل التضامني لكون الأهواء الغريزية أقوى من الاهتمامات العقلية، لذلك على الحضارة أن تٌجنّد كل ما في متناولها لكي تحد من العدوانية البشرية عن طريق ردود أفعال ذات طابع أخلاقي إلزامي.
يقول فرويد "إذا كانت الحضارة تفرض مثل هذه التضحيات الباهظة لا على الغريزة الجنسية و حسب بل و على العدوانية أيضاً ، فإننا نفهم في هذه الحال فهماً أحسن لماذا يعسر على الإنسان غاية العسر أن يجد في ظلها سعادته " فكل حضارة مٌلزمة بأن تشيد نفسها على الإكراه و على نكران الغرائز. إن الحرمان هو نوع من القسر الذي تمارسه الثقافة لمنع الغرائز الإنسانية من الظهور و لبقاء الإنسان فوق الواقع الحيواني البدائي الذي كان يعيش فيه، فالأخلاق يعيشها الفرد عند فرويد أولاً على صورة تضحية أو عذاب. لذلك نجد بأن معظم الناس ينصاعون للنواهي الثقافية المتعلقة بكبت وقمع المتطلبات الغريزية العدوانية والجنسية تحت الإكراه الخارجي والعقاب، لكن كيف يكون العقاب؟
حسب فرويد العقاب مزدوج: خارجي ممثل بالسلطة الاجتماعية وداخلي ممثل بالتربية الصارمة الاجتماعية التي يمثلها الأنا الأعلى. فالإنسان منقسم بين قواه النفسية التي تعبر عننفسها في داخل الفرد ومن خلال علاقاته مع المحيط. ومن هذا الجانب نلاحظ اغتراب الأنا وضياعه حيث يتعين عليه أن يخدم سادة ثلاثة متنازعين وأن يعيش تبعاً لذلك تحت تهديد خطر ثلاثي يتمثل جانب منه من العالم الخارجي، وجانب آخر من ليبيدو الهو وغرائزه، وجانب ثالث من صرامة الأنا الأعلى، وما ينشأ عن ذلك من حصر وقلق عماده الانسحاب أمام الخطر. لذلك يرى فرويد أن حياتنا كما هي مفروضة علينا ثقيلة الوطء و تغل أعناقنا بكثرة كثيرة من المشاق والخيبات.
جميع الحقوق محفوظة لــ تربقافة 2015 ©