نظرية النويات المتعددة لهاريس وألمان.. دراسة وتطوير المجتمع الحضري الذي يخضع لتأثيرات النمو والهجرة الريفية وتزايد الحاجيات الاجتماعية بكل مستوياتها

نظرية النويات المتعددة لهاريس وألمان:
لقد ظهرت هذه النظرية أيضا بعدما تعرضت كل من نظرية الدوائر المتراكزة ونظرية القطاع إلى انتقادات عديدة. وقد برزت في منتصف الأربعينات، وتعتمد على فكرة أساسية مفادها أن نمو المدينة لا يعتمد على نواة واحدة بل نويات متعددة. ويعتمد كل من هاريس وألمان أن نمو المدينة يتشكل عبر أنماط عديدة منها:
- نواة النشاطات التجارية (بالمركز).
- نواة تجارة الجملة والصناعات الخفيفة.
- نواة الصناعات على أطراف المدينة.
كما يعتبر أن مسألة تعدد النويات يختلف باختلاف المدن وتطورها التاريخي وتخصصاتها المختلفة. من جهة أخرى ربطا توزيع المناطق السكنية حول هذه النويات بمسألة الدخل (دخل الأفراد). أما عن العوامل الرئيسية المؤثرة في قيام النويات حسب هاريس وألمان فهي:
- بعض الأنشطة تتطلب تسهيلات خاصة (منطقة الأعمال المركزية).
- بعض الاستخدامات تستفيد من وجودها في مكان واحد (الصناعة وإقامة طبقة العمال).
- بعض الاستخدامات تميل إلى التعارض (المصانع ومساكن الطبقة الراقية).
لا تستطيع بعض الأنشطة الحصول على مواقع متميزة (مناطق التخزين).
من خلال عرض للنظرية الإيكولوجية الكلاسيكية يتبين وأن التصور الإيكولوجي يستند إلى مجموعة من المقولات والقضايا النظرية والإمبريقية... الخ. في هذا الإطار تقدم النظرية الإيكولوجية الكلاسيكية تصورا في كيفية دراسة وتطوير المجتمع الحضري الذي يخضع لتأثيرات النمو والهجرة الريفية وتزايد الحاجيات الاجتماعية بكل مستوياتها. وهكذا ترى هذه النظرية أن التنمية الحضرية تنطلق من مراكز تركز الأنشطة والخدمات لتمتد فيزيقيا على شكل دوائر متلاحقة. إن هذه النظرية مثلها مثل نظرية النويات والقطاع تعتمد على العمليات الإيكولوجية في التغيير الحضري والتنمية من خلال المتغيرات التالية:
أ- التـركـز:
ويعني تركز أو تكدس الأنشطة والخدمات مما يؤدي إلى تغير المناطق وتأثيرها في المناطق المحيطة والتي تتسع على حسابها. وبالتالي يمكن أن ننظر إليه على أنه الميل نحو الزيادة العددية للوحدات الإيكولوجية والتوطين في أجزاء المدينة.
ب - التشـتـت:
وهو أن تتركز الأنشطة عند مرحلة الإشباع بحيث يفقد مدلولها الاجتماعي والاقتصادي في إشباع الحاجات الاجتماعية المتنامية، الأمر الذي يدفعها إلى الانتقال إلى أماكن وأجزاء أخرى من المدينة قصد تنميتها. فالتركز والتشتت عمليتان تساعدنا على توازن النسق الفيزيقي؛ فإذا كان التركز يؤدي إلى زيادة الإنتاج فإن التشتت يؤدي إلى إحداث التوازن في توزيع الأنشطة والسكن.
ومن هنا، يمكن أن نتساءل من خلال هاتين العمليتين، عن التوازن في توزيع الكثافة السكانية والسكنية والأنشطة في المدينة؛ فهل أن توزيع المرافق يتوافق مع توزيع السكان ؟ وهل أن الأنشطة تؤدي وظائفا وأدوارا في اتجاه تنمية المدينة ؟ وكيف نمت المدينة الجزائرية ؟ وكلها أسئلة قابلة للبحث والإثراء في إطار دراسات معمقة!
جـ - المـركـزيـة واللامـركزيـة:
إن المركزية واللامركزية عمليتان ايكولوجيتان، تساعداننا في فهم نمو وتطور المدينة. فالمركزية تتجمع بمقتضاها المؤسسات ذات الوظائف المتشابهة في نطاق معين من المدينة، وتكون عادة حوله المحاور الأساسية للنقل والتنقل. أما اللامركزية فتعني ميل الأفراد أو الوظائف إلى تركز النقاط الحيوية في المدينة واللجوء إلى أماكن معينة من المدينة بحيث تحافظ على سيطرتها وتأثيرها في التنمية الحضرية للمدينة.
د- الفصـل أو العـزل:
وهو بعد تنموي يشير إلى تجمع وحدات ايكولوجية وانفصالها حيزيا، مثل الأحياء الراقية والصناعات المختلفة والأنشطة والخدمات، وهذا الفصل يتم بالنسبة للجماعات الاجتماعية في ضوء الدخل واللغة والثقافة... الخ. أما بالنسبة للأنشطة، فيتم حسب تشابه أو تماثل وظائفها. وفي ضوء هذا، كيف يمكن تصنيف المدينة الجزائرية ؟ هل أنها نمت وفقا لتخصص معين في الوظائف والأنشطة ؟ وهل أن انتقال الأفراد والجماعات يتم وفقا لخصائص التماثل والتشابه ؟ وهل يتم كل هذا، عبر تخطيط عملي مدروس وأدوات فعالة، أم بصورة عشوائية لا تأخذ بعين الاعتبار دور العمليات الإيكولوجية في التخطيط الحضري والتنمية الحضرية.
هـ- الغـزو والاحتـلال:
 فهما عمليتان تستخدمان في تغيير البيئة الحضرية، فهما أداتان من أدوات التهيئة والتعمير. فالأولى تشير إلى توسع سكاني أو خدمي يتم من خلال انتقال جماعة إلى منطقة منفصلة أو إدخال نمط جديد في استخدام الأرض. أما الاحتلال فيتحول بمقتضاها الغزو إلى سيطرة على المنطقة المحتلة من حيث السكن أو النشاطات. إن هذه المتغيرات الإيكولوجية السبعة هي في الواقع الأدوات الأساسية التي اعتمدت عليها النظرية الإيكولوجية الكلاسيكية في تنمية المجتمع المحلي الحضري. وهذه المتغيرات يمكن التطرق إليها بالمدينة الجزائرية في محاولة لتحديد مستوى التنمية الحضرية بها، ومدى قدرة أدوات التهيئة والتعمير في توظيف هذه المتغيرات بشكل أو بآخر في عمليات التخطيط الحضري.
جميع الحقوق محفوظة لــ تربقافة 2015 ©