دراسة وشرح وتحليل قصيدة (خفّ القطين) في مدح الأمويّين للأخطل.. مديح عبد الملك بن مروان

هذه القصيدة من نوع الشعر السياسيّ، الذي يُنظَم لغاية من غايات السياسة، ويدعو الشاعر فيه لدولة، أو لحزب، أو لمذهب متعلّق بالسياسة، وهو غالبًا ما يأتي في إطار المديح.
والمديح فنّ من فنون الشعر الغنائيّ، يعبّر فيه صاحبه عن عاطفة الإعجاب والتقدير، نحو فرد أو جماعة، فيعدّد الأفعال العظيمة ويصف المزايا والشمائل الكريمة.
والمديح أبرز الفنون الشعريّة عند العرب، حتّى لَيُمْكِن القول إنّه الأصل وسائر الفنون هي الفروع؛ إذ أوقف الشعراء عبقريّاتهم على صناعته، واعتبروه باب الرزق الأوحد، حتّى طُبع الأدب العربيّ القديم بطابع المديح. وكانت أبرز معانيه في الجاهليّة: الشجاعة؛ الأَنَفة؛ الحكمة؛ الكرم؛ الحِلْم والتسامح؛ الإباء؛ النجدة؛ الضيافة؛ وما إلى ذلك من شمائل.
وفي عهد الرسول (ص)، غَلَبَ على المديح طابع الفضائل النفسيّة وخدمة الرسالة الدينيّة والوحدة القوميّة.
أمّا في عهد بني أميّة، فقد أصبح لكلّ حزبٍ شعراءُ ينطقون باسمه ويمدحون زعماءه، ويهجون خصومه، فتحوّل المديح إلى أداة للتكسّب لدى كثير من الشعراء.
في التقليد والتجديد: يظهر التقليد في أبيات الأخطل هذه في ناحيتين:
1- اعتماد المنهجيّة الشعريّة القديمة المتمثّلة في تعدّد الأغراض في النصّ الواحد ذاته، وكذلك في الافتتاح بمطلع تقليديّ نسيبـيّ، من خلاله يشير إلى رحيل الأحبّة (لظروف لم يكن في المستطاع قهرها)، وإلى أثر هذا الترحّل على الشاعر الذي انعكس من خلال حالة الاختلاط أو التبعثر التي اعترته إثر ذلك، متمثّلةً في عجزه عن تعيين أو تذكّر وقت الرحيل بالتحديد (رغم كونه حدثًا مهمًّا على الصعيد الشخصيّ النفسيّ والعاطفيّ لدى الشاعر).
2- اعتماد المعاني المديحيّة التقليديّة (والتي تعود إلى ما قبل العصر الإسلاميّ)، مضمونًا وتعبيرًا. من حيث المضمون المديحيّ، يمدح الأخطل الخليفة عبد الملك، والأمويّين عامّةً، بالسخاء وبالشجاعة (وقلّما يخلو شعر المديح من أمثال هذين المعنيين). ومن حيث التعبير، تظهر البداوة ويبدو تأثّر الأخطل بلغة الجاهليّة وبتعابيرها في بعض المعاني والألفاظ: "الميمون طائره" (وهو تعبير جاهليّ الجذور يرتبط بعادة زجر الطير الجاهليّة التي حرّمها الإسلام، من خلاله يشير إلى كون ممدوحه ذا حظّ يُحْسَد عليه)؛ "يُستسقى به المطرُ"؛ "شُمس العداوة".
أمّا التجديد فيظهر في جوهر المديح أو محوره؛ فهو مديح سياسيّ، موضوعه الخلافة والخلاف حولها. ومن هنا يمكن القول إنّ النصّ يسجّل الصراع الذي كان دائرًا حول الخلافة بين الأمويّين وخصومهم. ويجدر بالإشارة ظهور أثر الإسلام في أبيات الأخطل حين يقول: "أظفره الله"؛ خليفة الله"؛ "حُشدٌ على الحقّ"؛ "أعطاهم الله جَدًّا يُنصَرون به"؛ "هم آووا وهم نصروا". بهذه الاستخدامات يحلّل الأخطل سياسة الأمويّين من داخل التعاليم الإسلاميّة، معتبرًا أنّها من عند الله.
مديح عبد الملك: في مدحه الفرديّ لعبد الملك، بدا الأخير جوادًا، مظفَّرًا، قائدًا عسكريًّا، محظوظًا، حاكمًا بِاسْم الله، وَرِعًا. والأخطل حين يتناول عطاء الخليفة والظفر العظيم الذي أحرزه بتقدير من الله، وحين يتحدّث عن فضائله، يربط ذلك شديدًا بالسياسة الأمويّة، مركّزًا على الحقّ الإلهيّ (ففي قوله "أظفره الله" إشارة إلى أنّ خلافة الأمويّين هي من عند الله، وفي هذا تكريس للحقّ الإلهيّ بالحكم)، فعبد الملك هو خليفة الله وظلّه على الأرض وممثّل عدالته ورحمته، به يتقرّب الناس إلى ربّهم ويصلّون صلاة الاستسقاء.
مديح بني أميّة: في مديحه الجماعيّ للأسرة الحاكمة، نسب إليهم جملة من الخصال، إذ صوّرهم مجمَّعًا للفضائل، فأظهرهم أصحابَ حقّ، أعفّاءَ، أعزّاءَ النفوس، متجلّدين، مدبّرين، محظوظين (مختارين من طرف الله)، متواضعين (رغم عظمتهم)، قُساةً متسامحين، أسخياءَ. وسخاء الأمويّين -وفق تعبير الأخطل- سخاء نموذجيّ مثاليّ، فهو مبادِر، وشامل، وخِلْوٌ من المِنّة.
هكذا ينسب إليهم كلّ فضيلة عربيّة، وكلّ شيمة كريمة، ليجعل منهم قومًا مثاليّين في جميع شؤونهم، حكماء رحماء إذا استسلم لهم العدوُّ لا يبطشون به، وإنّما يعفون عنه إيمانًا منهم بأنّ العفو عند المقدرة. وفي هذا دعوة للأعداء كي يستسلموا للأمويّين، من غير وجل، لأنّهم سيجدون لديهم عفوًا وغفرانًا. فهم في حال الحرب أصحاب بطش وقوّة، لا يعرفون ضعفًا ولا يأسًا ولا استسلامًا؛ أمّا في السلم فهم يسابقون الرياح إلى المكرمات، ويسارعون إلى نجدة الناس الذين مسّهم الضيق.
بكلّ هذا جعل الأخطل الخليفةَ وقومه في مستوى المثاليّة والكمال بين البشر، وعرف كيف يختار المعاني التي يبتهج بها الأمويّون ويجدون فيها خدمة عظيمة لسياستهم، فكلام الأخطل يعلن أنّ حكم بني أميّة قائم على حقّ شرعيّ إلهيّ لا يمكن أن تزعزعه ثورات المتمرّدين وعصيانهم.
في الأساليب:
- الحصر؛ وهو أسلوب توكيديّ صاغه الشاعر بوساطة نفي ألحقه بـِ "إلاّ" الحاصرة، ومن خلاله يُجري الشاعر مقارنة بين حظّ الأمويّين وحظوظ غيرهم، إذ يعظّم من حظّ بني أميّة، جاعلاً إيّاهم الأوفر حظًّا بين الناس ("لا جدَّ إلاّ صغيرٌ، بعدُ، محتقَرُ").
- الالتفات؛ وهو أسلوب يحقّق فيه الشاعر بعض التنويع، انتقل فيه من صِيَغ الغياب إلى صيغة الخطاب، ملتفتًا عَبْرَهُ إلى ممدوحيه بتوجّه مباشر، ويتوسّل لهذا الغرض نداءً محذوفَ الأداة ("بني أميّة، نعماكم مجلِّلةٌ"...)، ليقول من خلاله -مرّة أخرى وأخيرة- إنّ بني أميّة نموذجيّون في الجود والإحسان.
- غلبة الإخبار؛ والمقصود أنّ غالبيّة الجمل التي يستخدمها الشاعر هي جمل خبريّة لا إنشائيّة. ويمكن الافتراض أنّ هذه الغلبة تلائم الموقف وتخدم المادح والممدوحين، فيبدو المديح تعدادًا لحقائق، لا تعبيرًا عن مشاعر أو انفعالات قد لا تُقنِع المتلقّين.
- استخدام صيغ الغياب؛ والمقصود أنّ الأخطل هنا حين يمدح عبد الملك لا يخاطبه، إنّما يشير إليه بضمير الغائب، وحين يمدح الأمويّين عامّةً يفعل الأمر عينه إلى أن يلتفت فيتوجّه إليهم في النهاية توجّهًا مباشرًا، قبل أن يطلب إليهم ما يريد. ويمكن تفسير ذلك بأنّه أسلوب للتوقير، يمتنع فيه المادح من مخاطبة ممدوحيه حرصًا علىعدم وضع نفسه في مقام مماثل لهم، فيؤكّد بهذا سموَّ منـزلتهم، أو بأنّه ادّعاء للموضوعيّة أو عدم التحيّز في ذكره لفضائلهم.
- المطابقة؛ وذلك في المطلع ("فراحوا منك أو بكروا")، حيث يعبّر الطباق عن خيانة ذاكرة الشاعر له، إذ يلتبس الأمر عليه فلا يذكر أوان رحيل الحبيبة وقومها. وكذلك في قوله: "لم يأشروا فيه [...] أشروا"، ومن خلاله يُجري مقارنة بين سلوك الأمويّين وكلّ مَن سِواهم، فيبدو الممدوحون من أهل التواضع، ويبدو سواهم متعجرفين (لو أتيح لهم حظّ كحظّ الأمويّين). من هنا، فالكلام هذا يتضمّن إشارة إلى ما كان الأمويّون يريدون إقراره في أذهان الناس، أي ما مفاده أنّ خلافتهم من الله وأنّ حقّهم فيها مقدّس، وشأنهم عظيم وكلّ شأن سوى ذلك حقير.
- التجريد؛ ويظهر هذا في المطلع المصرَّع. ففيه المخاطَب والمخاطِب طرف واحد: الشاعر. وربّما كشف ذلك عن إحساس عميق بالاغتراب وبالوحدة حَدَا بالمتكلّم إلى أن يجرّد من نفْسه نفْسًا أخرى يخاطبها استئناسًا، حين لم يجد مؤنسًا.
جميع الحقوق محفوظة لــ تربقافة 2015 ©