دراسة وشرح وتحليل قصيدة بانت سعاد لكعب بن زهير.. شرح أبيات القصيدة

* صاحب النص:
صاحب النص هو كعب بن زهير بن أبي سلمى المزني.عاش في الجاهلية وأدرك الإسلام، ولذا فهو شاعر مخضرم. تتلمذ في الشعر على يد والده و حين رآه زهير يقول الشعر مبكرا، منعه خشية أن يأتي منه بما لا خير فيه فيكون سبّة له ولأسرته التي كان لها في الشعر قدم راسخة وصيت بعيد. غير أن كعبا استمر، فامتحنه والده امتحانا شديدا ن تأكد بعده من نبوغه ومقدرته الشعرية، فسمح له بالانطلاق فيه فكان من المبرزين حتى أن الحطينة و هو من في ميزان الشعر، رجاه أن يذكره في شعره. ملت في حدود سنة 662م.
* المناسبة:
كان كعب في اكتمال شبابه عندما ضخم أمر النبي و أخذ الناس يتحدثون بالإسلام. فأرسل أخاه بجيرا عام 628م إلى الرسول يستطلع الدين الجديد، وما أن اتصل بجير بمحمد حتى آمن به وبقي في المدينة، فغضب كعب أشد الغضب، ونظم أبياتا من الشعر يوبخ فيها بجيرا على ترك دين الآباء و يعرّض بالرسول فيقول:
ألا أبلغا عني بجيرا رسالـــة فهل لك في ما قلت، ويحك، هل لكا
سقاك بها المأمون كأسا رويــة فأنهلك المأمون منها وعـــلـكا
ففارقت أسباب الهدى واتبعتــه على أي شيء ويب غيرك، دلكــا
على مذهب لم تلف أما و لا أبـا عليه لم تعرف عليه أخا لكــــا
فإن أنت لم تفعل فلست بأسـف ولا قائل إمّا عثرت: لّعا لكـــا
وأرسل كعب بالأبيات إلى أخيه، فاطلع عليها النبي وأهدر دمه، فأرسل إليه أخوه بجير بما كان من الأمر، وحثه على الإسراع في القدوم إلى النبي مسلما معتذرا، ولكن كعب رفض ذلك وأراد الاحتماء بقبيلته فأبت عليه ذلك.
وكثر المرجفون به من أعدائه، و سدت في وجهه السبل ،فاستجاب لنصح أخيه و قدم إلى المدينة سنة 630م و أتى الرسول وهو بين أصحابه في المسجد، فجلس بين يديه و وضع يده في يده و النبي لا يعرفه، و قال: يا رسول الله، إن كعب بن زهير أتاك تائبا مسلما فهل أنت قابل منه ؟ أجابه: نعم. قال: فأنا كعب. فوثب رجل من الأنصار قائلا: دعني يا نبي الله أضرب عنقه ،فكفه النبي (ص)عنه. وأنشد كعب حينئذ قصيدته "بانت سعاد "التي منها هذه الأبيات. ويقال أن النبي خلع عليه بردته حين وصل في الإنشاد إلى قوله: إن الرسول لسيف يستضاء به.
* شرح أبيات القصيدة:
المجموعة (أ){1-4}:مقدمة غزلية (حزن الشاعر لفراق محبو بته)
في هذه الأبيات يصف الشاعر حالته النفسية والحزن الذي أصيب به لفراق محبوبته التي تخيلها و أطلق عليها اسم سعاد، فيقول: لقد تركتني سعاد ورحلت عني فدمر فراقها قلبي، فأصبحت متعلقا بها، مقيدان ثم يصف سعاد لحظة رحيلها مع قومها بأنها بدت كغزال في صوتها غنة وفي عينيها حياء و اكتحال، ويصفها عندما تقبل بأنها خفيفة من أعلاها دقيقة الخصر، وعندما تدبر تبدو عظيمة العجزة كما أنها كانت معتدلة القامة فليست بالطويلة ولا القصيرة، كما يصف اسنانها عندما تبتسم وما فيها من ريق رطب راو كأنها مسقية بالخمر أكثر من مرة فهي مروية وبياضها ناصع.
* التحليل الفني:
1- بدأ الشاعر بالغزل على عادة الشعراء القدامى و يلاحظ أنه وصف حسي اقتصر على الوصف الخارجي للمحبوبة دون التعمق في نفسها و إبراز جمالها المعنوي ، ولقد اختار لمحبوبته الخيالية اسم (سعاد) وذلك لأنه مشتق من ( السعد والإسعاد ) وهو سعيد بقبول الرسول اعتذاره ودخوله الدين الإسلامي ، كما أنه بدأ بالغزل للفت انتباه السامعين إليه و إلى شعره .(متبول /مكبول ) جناس ناقص لإعطاء الجرس الموسيقي وإبراز المعنى .
2- في هذا البيت شبه صورة سعاد لحظة رحيلها بصورة غزال في صوتها غنة وفي عينيها فتور وحياء واكتحال. وقد أكد هذا التشبيه عن طريق القصر والتوكيد بالأداة (إلا). هيفاء مقبلة / عجزاء مدبرة: مقابلة ( تقسيم يعطي جرسا موسيقيا / لإبراز المعنى وإيضاحه قصر / طول : طباق . في هذا البيت تشبيه ، فهو يشبه شدة لمعان أسنانها كأنها مسقية بالخمر نهلا أكثر من مرة. كما أن الشاعر يستخدم في هذا المقطع (الصورة الكلية) بما فيها من لون وحركة وصوت تنقل لنا المشهد وكأنه ماثل أمامنا نراه ونسمعه، فمن الألفاظ الدالة على اللون: (مكحول / عوارض / ظلم الراح) ومن الألفاظ الدالة على الحركة: (بانت / مكبول / مكحول / رحلوا / مقبلة / مدبرة/ تجلو / ابتسمت) ومن الألفاظ الدالة على الصوت: ( قلبي / رحلوا / أغن ).
علل: على الرغم من المقدمة الغزلية الطويلة التي تغن فيها الشاعر بسعاد إلا أن الرسول (ص) لم يغضب.
1- لأنه يدرك غلبة التقاليد الفنية و عدم القدرة على الفكاك من سلطانها بسهولة.
2- رحابة صدره (ص) كانت تجعله يأخذ الناس كل على قدر تفكيره ويدرك أن الاستهلال مجرد نموذج فني لا يقصد لذاته فشعراء الإسلام رغم التزامهم بتلك التقاليد الفنية الموروثة كان إيمانهم قويا.
الشاعر عاش في الجاهلية أكثر مما عاش في الإسلام مما جعل أصالة التقاليد تتمكن من نفسه و لابد من مرور فترة زمنية كافية للإفلات من جاذبيتها.
المجموعة (ب) {5-10}: وصف حالة الشاعر وخوفه والجو النفسي المحيط به والاعتذار للرسول. (الاعتذار والاستعطاف).
في هذه الأبيات يذكر الشاعر سعي الوشاة الذين وشوا به إلى النبي، وبين كيف أنه استجار بأصحابه وبني قومه فما أجاروه مما جعله وحيدا لا يجد غير الله يلجأ إليه ويسلمه أمره، فكل ما قدر الله كائن لابد من وقوعه، كما أن كل إنسان لابد و أن يحمل على النعش يوما لذلك فلن يخيفه الموت وسيقدم على الرسول (ص) وكله أمل في عفوه وصفحه وتأمينه من آثار وعيده، فهو الرسول المعروف بالعفو والصفح و هو الذي أعطاه الله نعمة القرآن التي فيها بيان وتوضيح لأمور الدين الإسلامي، ويطلب منه عدم معاقبته بأكاذيب النمامين الوشاة حتى و إن كانت كثيرة إلا أنها ملفقة مفتراة.
* التحليل الفني:
في هذا المقطع يساير الشاعر كعب بن زهير النابغة الذبياني في مزج المدح والاعتذار . وتسيطر عليه عاطفة يمتزج فيها الخوف و الرجاء و الإعجاب.
5- تعبير حقيقي.
6- خلوا: أسلوب إنشائي طلبي يفيد الأمر الغرض منه الالتماس.
لا أبالكم: أسلوب إنشائي طلبي يفيد النفي بغرض الدعاء، يدعو على من يخوّفه بفقد الأب (يدعوا عليهم بألا يكون لهم أصل ولا أب).
7- ابن أنثى: كناية عن الإنسان. وهو موصوف.
آلة حدباء: كناية عن النعش. وهو موصوف.
و في البيتين (6-7) حكمة فهو متأثر في ذلك بوالده زهير.
8- كما أنه يكرر لفظ (رسول الله) وذلك للتعظيم. (أسلوب خبري)
9- مهلا: أسلوب إنشائي طلبي يفيد الأمر الغرض منه الالتماس.
الذي أعطاك نافلة القرآن : كناية عن الله سبحانه و تعالى، ولفظة (نافلة) توحي بأن الله أتم على الرسول بعلوم كثيرة (الرسالة والنبوة) وجعل الكتاب زيادة على تلك العلوم.
(8-9) فيهما أسلوب (التفات) فقد تحول من ضمير الغيبة إلى ضمير الخطاب وذلك تنشيطا للأذهان.
10- لا تأخذني: أسلوب إنشائي طلبي يفيد النهي الغرض منه الالتماس والرجاء.
أقوال: توحي بكثرة الوشاة، و(الوشاة) ليدفع التهم عن نفسه، كما يستخدم لفظة (أقاويل) ليؤكد أنها مجرد اتهامات وليدلل على بطلانها.
المجموعة (ج){11-17}: مدح الرسول (ص)و المهاجرين
هنا يبدأ الشاعر في مدح الرسول (ص) والمهاجرين ، فيصف الرسول (ص) بالنور الذي يهتدى به و بأنه سيف من سيوف الحق و العدالة المشروعة في وجوه الأعداء ، تحف به جماعة من قريش دانت بالإسلام و هاجرت من مكة في سبيله ، ثم يصف المهاجرين بأنهم عندما هاجروا كانوا أقوياء ، شجعان، أباة، و لباسهم في الحروب متقن الصنع، و كأنه من نسج داود عليه السلام ، كما أنهم يحاربون بجرأة أو يضربون باستبسال إذا هرب الجبناء و فر الرعاديد ،و إذا غلبوا عدوهم لا يفرحون بذلك لأن النصر من عادتهم ، وإذا غلبهم العدو لا يجزعون من لقائه لثقتهم بالتغلب عليه، و هم لا يقع الطعن في ظهورهم بل في نحورهم لأنهم لا ينهزمون و لا يفرون عن موارد الردى وساحات القتال.
* التحليل الفني:
11- إن الرسول لسيف: تشبيه بليغ ، شبه الرسول بالسيف المصنوع من حديد الهند والمتميز بجودته . وفيها إيحاء بالقوة و السلطان.
يستضاء به :استعارة مكنية سبه الرسول بالمصباح الذي يهتدى به في الظلام.
سيوف الله: كناية عن رجال الله و أنبيائه ،و المدافعين عن رسالة السماء.
و هذا البيت يكشف لنا عن إحدى عادات العرب و أنهم كانوا إذا أرادوا استدعاء من حولهم من القوم شهروا السيف الصقيل فيظهر لمعانه عن بعد فيأتون إليه طائعين مهتدين بنوره.
12- يشير الشاعر إلى الهجرة الثانية إلى المدينة المنورة.. عندما وقف عمر بن الخطاب في وادي مكة متحديا، و أشهر هجرته ،وقال (من أراد أن تثكله أمه فليتبعني إلى هذا الوادي) و قائلهم هنا إشارة إلى عمر بن الخطاب.
زولوا: أسلوب إنشائي طلبي يفيد الأمر بغرض الالتماس.
14- شم العرانين :كناية عن صفة العزة و الإباء و الترفع عن الدنايا، لبوسهم من نسج داود : كناية عن متانة الدروع و دقة الصنع.
15- يستمر الشاعر في مدح أنصار النبي (ص) فيشبههم بالجمال الزهر والتشبيه هنا بليغ فوجه الشبه التقدم و النشاط و السرعة في اندفاعهم في ساحة المعركة يحميهم من الضرب والطعن (خاصية من خصائص الجمال الزهر الاندفاع و التقدم دائما إلى الأمام) ثم يعرض بالمقابل صورة الأعداء في جبنهم و تراجعهم ،و استخدم التنابيل كناية عن صفة الضعف و قصور الهمة ،و في البيت مقابلة بين فريقين المؤمنين يدفعهم إيمانهم إلى التقدم و طلب الشهادة و الكفار يسيطر عليهم الجبن و الضعف فيتراجعون .
16- كناية عن أخلاق المسلمين فهم لا يشمتون في أعدائهم عند النصر ولا يصيبهم الجزع و الخوف عند الهزيمة ؛لأنهم يعرفون أن الأيام دول و أن الصبر على البلاء قوة، وفي البيت مقابلة تبين حال المسلمين في الموقفين النصر و الهزيمة .
17- يعطي الشاعر البرهان و الدليل على شجاعتهم عن طريق الكناية في قوله: (يقطع الطعن في نحورهم) وأكد ذلك بأسلوب قصر للتوكيد فصفتهم الشجاعة عند المواجهة ، ثم وضح في صورة حسية هذه الفقرة عندما قال: (حياض الموت ) فقد شبه الموت بالحياض و جاء التشبيه البليغ في صورة المضاف و المضاف إليه، وكذلك فيها استعارة تصريحية لأنه شبه ساحة المعارك بحياض الموت و صرح المشبه به.
** كما يتضمن هذا المقطع أيضا صورة كلية فيها:
أ-اللون: (سيف / يستضاء / لبوسهم / سرابيل / الجمال الزهر / السود / نحورهم).
ب-الصوت : (قال قائلهم / زولوا / اللقاء / الهيجا).
ج-الحركة : (مسلول / زالوا / اللقاء / نسج / الهيجا / يمشون مشي الجمال / ضرب / عرد / نالت / يقع الطعن).
** أثر الإسلام في معاني القصيدة:
يتضح أثر الإسلام في معاني القصيدة وفقد مثل ذلك بدروع داود عليه السلام (من نسج داود) الذي كان ماهرا في صنع الدروع ،كما تأثر بالقرآن الكريم في وصفه لأصحاب الرسول (ص) بالقوة و إعداد العدة للأعداء مشيرا إلى قوله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم).
* خصائص أسلوب كعب بن زهير:
بساطة التركيب والمعاني، قدرة الألفاظ على حسن الأداء، اختيار المعاني والصور الملائمة لموقف الاستعطاف، قلة المحسنات البديعية ، قلة الصور وغلبة النزعة الواقعية عليها والتأثر بالظروف التي صاحبت التجربة الشعرية للشاعر، التصوير الجزئي والكلي التأثر بالإسلام بالإضافة إلى المحافظة على القديم، والتنويع في الأساليب (النفي/ الحصر /التشبيه).
* أثر البيئة في القصيدة:
يلجأ كعب في رسم صورة إلى البيئة المحيطة ، فهي بدوية صحراوية ، ويتضح ذلك في (حياض الموت، وتشبيه الرسول بالسيف المهند، ووصف آلات الحرب وملابسها والمهارة فيها ، وتشبيه سعاد بالغزال ذي الصوت الأغن ،و تشبيه ريقها بالخمر ).
* سمات شخصية الشاعر:
جريء شجاع ، معترف بذنبه ، حكيم ، ذو نزعة دينية.
* ما العاطفة المسيطرة على الشاعر؟
الخوف ثم الرجاء يليه الإعجاب بالنبي و المهاجرين.

أحدث المواضيع

جميع الحقوق محفوظة لــ تربقافة 2015 ©