دراسة وشرح وتحليل قصيدة لميرا ملجأ في صدري - ميشيل حداد

من القصائد التي يستطيع القارئ أن يتعرف من خلالها على صاحبها هذه القصيدة التي نعالجها والتي أعتبرها بطاقة دخول إلى عالم ميشيل حداد.
يجعل الشاعر "الشموع" موتيف قصيدته الأول، فالشمعات يشعلها الناس أيام الحرب في ساعات منع التجوال وانقطاع الكهرباء، والشمعة البيضاء عندما تذوب وتتكوم في الصحن تكون أشبه بسطيح الكاهن الذي عرف عنه في الأسطورة العربية أنه خالٍ من العظام، ولا يقعد منبسطًا إلا إذا هاج وغضب، ثم بعدها يهدأ ويعود حكيمًا.
والشمعة الحمراء في احتدام ساعة الحرب تمثل لون الدم النازف من نشرة الأخبار التي تنقل أنباء القتل، وحين تتكرر هذه الأخبار تصبح كلبانٍ أو علكة سرعان ما تلفظ.
والشمعة في البيت المسيحي لها دلالة، فهي تُضاء أمام الأيقونات، وهي النذر أيضًا، وميشيل يضيء الشمعة تلو الشمعة. لا لصغير يحتفل بعيد ميلاده، ولا لإله يخشى غضبه –وهو المؤمن- ولا لمسن يأمل أن يوصي له ببعض الإرث.
ويصل الشاعر بين الشمعة وبين موضوع الكتابة –الدعوة إلى السلم فيكتب على ضوء الشمعة، واصفًا للحرب بأنها تعني التشويه والتقتيل والدمار. وحين يغضب ويود أن يشتم باللغة العربية الفصيحة يتراجع مؤكدًا أن هذه اللغة –وبالتالي الإنسان العربي –لغة تأبى الإسفاف- رغم كل الادعاءات على هذه اللغة بأنها تحتوي على حروف صعبة كالضاد والظاء والعين والقاف- وهي لغة الأصالة والنقاء.
هو لن يشتم رغم أنه يعرف أسماء الطائرات البشعة- باللغات الأجنبية- والتي تسبب الدمار والثبور، بل يرى في إحداها وجهًا آخر ينتزع الخير من الشر، فالميراج كلمة يلعب بها الشاعر لعبة طفولية، فيحذف منها حرف الجيم فتصبح (ميرا) - اسم فتاة من اللغة العبرية (في الأصل مئيرا أو عميره) وربما ترد اللفظة في لغات أخرى بمعنى عذب على الأسماع.
والطفولة هي الموتيف الثاني في القصيدة(4)، فيغدو ميشيل شيخًا حنونًا يحب الأطفال في السلم، ويفتح لهم صدره ليحميهم في الحرب، حتى لا يخشَوا صفارات الإنذار والتعتيم والغارات وكل ما يحدق بهم من أخطار.
اللغة والأسلوب:
تتسلسل القصيدة في اطّراد، فمن الحديث عن الشموع إلى الحديث عن الكتابة في موضوع السلم والحرب، ثم تنتقل إلى الطفولة وبها تنتهي. وهذا التسلسل فيه متابعة المعنى واكتمال الصورة، رغم أن ثمة إمكانية أن تكون القصيدة ثلاث قصائد مستقلة، تنتهي الأولى عند قوله- "تنويهًا للسلم" وتنتهي الثانية عند قوله- "تشويه تقتيل ودمار" ويمكن أن تبدأ القصيدة وموضوعها الطفولة بقوله- "والآن أتذكر" وكأنها تسترجع معاني وإيحاءات قبْلية.
وهذه المقطوعات الثلاث مترابطة بشكل وثيق حتى ولو استطعنا اجتزاءها، فموضوعها الحرب وموتيفاها –كما أشرنا -الشمعة والطفولة.وسواء أكانت القصيدة واحدة أو هي ثلاث قصائد فإننا نحس بالنفس الشعري الواحد، حتى ولو كان على ثلاث مدات.
وتنطلق القصيدة من هدوء نفسي وتفكير مستقر، فالقصيدة كُتبت بُعَيد ساعات التعتيم ليس فيها أو خلالها، إذ لا نكاد نرى الانفعال المتواتر الذي يتجلى عادةً في أساليب الاستفهام والتساؤل والنداء وسواها من أساليب الانفعال الضاغطة، ولا يمكن للشاعر أن يرى "ميراج" تهدر وتئز فيتمنى أن يحذف حرف الجيم من نهاية الكلمة، كما أن الشتم بالفصحى لا يمكن أن يخطر بالبال ما دامت العامية هي الأقرب في تعبيرها عن حركة الواقع وضرورة الموقف.
وربما يكون وصف كتابته على ضوء الشمعة هو الجزء المقنع في القصيدة بأنه في ساعة الأزمة، رغم إنه ورد بلغة الفعل الماضي- خلافًا لسائر أقسام القصيدة- القلم اندفع كالصاروخ وهو في سبيل غاية نبيلة.
وفي هذا الوصف الذي أشرنا إليه مفارقة جديدة إذ أن الشاعر يستعمل أداة من أدوات الحرب في سياق لم يكن متوقعًا. كما لاحظنا مفارقة أخرى في مطلع القصيدة، فالشمعة الأولى التي كانت كسطيح من المفروض أن تعود إلى الحكمة بعد زوال هياجها، فإذا بها تستمر، وتكون عونًا لشمعة أخرى حمراء تُغرز في شمعها الذائب.
أما أسلوب التكرار على طريقة anaphore فإننا نجده باستعمال حرف الجر (من) بقصد التنويع والتوزيع:
"ينزف من جرح القلب
ينزف من نشرة الأخبار
من تعتيم فوق مدينتنا
من وحشة جزع صامت"
وتوصيل (من)في كل مرة يقدم دلالة متباينة لا تستطيع واو العطف أن تقدمها. وقد عاد الشاعر إلى تكرار (من) في نهاية القصيدة ليبين أنواع الحماية التي يقدمها للأطفال، وهو بهذا التكرار ثانية يُثري إيقاع القصيدة.
أما كلمة (رغم) ففي استعمالها الثاني لا تؤدي المعنى لأول، بل تحمل في دلالتها تذكيرًا بكون اللغات الأخرى هي التي تحمل الأسماء الصعبة.
وكذلك تكررت (لا) حين يبين نفي المآرب المعهودة من وراء إيقاد الشموع، ونتساءل بعد كل نفي: إذًا لماذا توقد هذه الشموع؟ وفي هذا الأسلوب إثارة.
وتؤدي كلمة (كل) بالإضافة إلى التنويع نوعًا من الشمولية والإحساس الطاغي الذي يعبر عنه الشاعر، وكأنه يتحدث بلهجته العادية التعميمية.
وفي قوله (أتذكر أتذكر) قرع الأسماع (ولفت الانتباه) لأهمية ما سيذكره في خاتمة القصيدة أو بيت القصيد.
ويستعمل الشاعر ألفاظًا من القاموس الشعبي فكلمات "بساطة، شدتنا، صفارات، تعتيم" لها استعمالات استقاها الشاعر من اللغة الحديثة، بالإضافة إلى استعمال "الصاروخ، الفانتوم، السوخوي، الميراج" بما يضفي جوًا واقعيًا. لكنه من جهة أخرى يستعمل "مذياع ، تلفاز" وفق توصيات مجمع اللغة العربية.
وفي القصيدة يلاحظ القارئ كثرة ما أسماه "حروفًا صعبة" ففي السطور الأولى، "كسطيح، تضج، المتدفق..الخ" وكأن الشاعر يتعمد هذه الأصوات ليعطي الدلالة بالتالي أن اللغة العربية تدعو للسلم رغم أن حروفها لا تروق لآذان البعض، أو كأنها موازنة لجو الهدوء المستمر حتى الملل في ساعات الخوف والانكماش.
وألفاظ الشاعر وتساوقها يجعلنا نشاركه في استشفاف الصورة، فتواتر الأفعال (بدون حرف عطف) يقدم شريطًا: (يعلك، يمضغه، يمتصه، يبصقه) وهذه من شأنها أن تجعلك تتخيل الصورة، وكأنك أنت الذي تقوم بذلك، أو قمت بذلك في طفولتك.
وحديثه عن الحرب كما يتخيلها الجالس قبالة الراديو أو التلفزيون صورة حية تجعلك تتخيل نفسك وأنت تستعرض مشاهد الحرب، وذكر الجدات ذوات التسعين يجعلك تستوعي في ذهنك صورة عجوز تعرفها.... وهي تلخص لك أن الحرب قتل وخراب بيوت.
كما أن وصف الحرب تشويه تقتيل ودمار فيها تخيل وتصوير مركّزان.
وحين يتمنى الشاعر أن يجعل صدره ملجأ للأطفال يجعلك تستعيد صورة طفل في حضنه أو حضنك أنت حيث تضغط عليه بحنان.
ومثل هذا الشعر يدخل في باب الشعر التصويري (Imagism) الذي أشارت إليه الشاعرة lowel (1874-1925) في الأنثولوجيا التي أعدتها "some Imagist Poets” (5)
أما التشبيهات والاستعارات أو المجاز فإننا نلاحظ أنها تكاد تنعدم عندما يتوصل الشاعر إلى القسم الثالث –الطفولة- وكأني به لا يرى ضرورة لإلباس اللغة كثافة الصورة، بل اعتمد على براءة المعنى العميق.
ومن هذه المجازات القليلة اعتبار الطائرات طيورًا، وهذه الصورة لا شك مستمدة من عالم الأطفال.
لكن هذه اللغة المجازية تزداد عند حديثه عن الحرب، فالمذياع يعلك الأنباء مثل صغير... والشمعة ارتعشت.... والقلم كالصاروخ... وأيام الحرب تود...".
وبصورة عامة فإن الشاعر لا يكثر من اللغة المجازية ، بل يسترسل في لغة شبه نثرية معتمدًا على الإيحاء العام والتساؤل الملحّ بعد قراءة القصيدة.
وفي نسيج القصيدة أشرنا إلى أن الشاعر أفاد من الأسطورة العربية من قصة (سطيح) الكاهن الذي تنبأ بظهور النبي محمد (ص). وكان ممتلئا بالحكمة، ولعل استحضار صورة سطيح تستدعي بالضرورة السلامة والحكمة والخير، لكن القصيدة لم تستطع أن تفيد من هذا الرمز بشكل كاف، علمًا أن هذا الرمز ليس مستهلكًا أو مطروقًا في الشعر الحديث.
وهكذا يتبين لنا أن الشاعر استطاع أن يقدم خلال هذه القصيدة مضمونًا إنسانيًا رفيعًا بلغة تتماثل والموقف، فنقل لنا عبر تجربته شعرًا تصويريًا يتعمد ألفاظًا منتقاة من حركة الواقع.
جميع الحقوق محفوظة لــ تربقافة 2015 ©