دراسة وشرح وتحليل رواية الحرام ليوسف إدريس

تتلخص الخطوط العامّة للواقعية عند الأدباء العرب بخطين أساسيين هما: العناية المفرطة بالفئات الكادحة من الشعب، والتأكيد على أن "الخير" هو السمة الأساسية للجنس البشري،وإن توارت أحياناً تحت ركام الظروف الاجتماعية السيئة.
ولقد أسهم تطور الأحداث الاجتماعية والسياسية في المنطقة العربية، في تكوين تيار نقدي تخصص تماماً في صياغة الاتجاه الواقعي في ذلك الإطار السابق، واتخذ من القصاص يوسف إدريس نموذجاً ممتازاً لدراساته. والحق أن هذا الاختيار لم يكن عبثا، وإنما كان تجسيداً حقيقياً لأزمة الاتجاه الواقعي، حين يقصر نظرته للواقع على الفئات الاجتماعية الدنيا، والخير الكامن في أعماقها.
القصة:
جاءت المقدمات الطويلة في منتهى التشويق والإثارة،حول حياة العزبة وحياة الترحيلة. فلقد أجاد الفنان في إبراز تلك الفئة الاجتماعية على وجداننا، إجادة رائعة. وهذه هي الحصيلة النهائية للقصة. إذ اكتشف مأمور الزراعة لقيطاً عثر عليه عبد المطلب الخفير بمحض الصدفة. ويستهلك الفنان عشرات الصفحات متتبعاً اهتمام أهل العزبة بهذا الحدث. ويستغل هذه الصفحات في تشريح العلاقة بين المأمور والكتبة من جانب،وأهل العزبة من جانب آخر، والترحيلة من جانب ثالث. فنعرف أن هوّة تفصل بين هذه الفئات الثلاث. ونعرف أن كل فئة تشك في أن تكون الأخرى هي صاحبة اللقيط، إلا أن منزلي المأمور والباشكاتب، كانا بعيدين عن مجرد الاحتمال، بالرغم من العلاقة - التي يشيعها البعض - بين بنت الباشكاتب وابن المأمور.
لا شك أننا نلاحظ مسحة من الرمزية في جميع أحداث القصة، فجذر البطاطا لا يدل فحسب على رغبة مريض يتدلل على زوجته، إنه رمز حقيقي لكسرة الخبز. ولكنه ليس رمزاً بسيطاً. فقد استراحت عزيزة بين أحضان الرجل وقاومته بيأس في المرة الأولى، ولم تقاومه في المرة الثانية. فهو رمز مركب، يرمز ثانية إلى أزمة الجنس. بل إن شجرة الصفصاف في نهاية القصة تحمل هذه الرموز مجتمعة. ولقد أضفت هذه الرمزية عمقاً أصيلاً على القصة، فلم تشطح بها مشكلات هذه الشخصية أو تلك، ولم تنفجر المعادلة الإدريسية انفجاراً، وإنما تمددت في بطء بين ثنايا الأحداث، حين أخذ الفنان يستعرض لأول مرة في تاريخنا الأدبي، حياة أولئك "التملية" أو "التراحيل" أو "الغرابوة" كما يسميهم أهل التفتيش. فجاءت الخطيئة نتيجة غير مباشرة للقحط الاجتماعي الذي عاشت فيه أسرة عزيزة. كما جاء جنونها مأساة ضارية تنشب مخالب الموت في العقول الخاوية إلا من ذهول اللقمة:في غيابها وحضورها.
كذلك توازنت قصة لنده - بنت الباش كاتب- مع أزمة أحمد سلطان من ناحية وأزمة صفوت ابن المأمور من ناحية أخرى- فقد نالت أزمة الجنس من كيان لندة حتى النخاع. فكان صراعها ضد مجموعة القيم المتوارثة تعبيراً حاداً عن أزمة الضمير الكامنة في أعماق أجيالنا في مختلف مستوياتها الاجتماعية والفكرية. على أن الكاتب آثر البعد عن التقرير والمباشرة في تصوير البنيان الداخلي للنده وصفوت وأحمد. إذ اعتمد اعتمادا مطلقاً على انعكاس ذلك البنيان في سلوكهم اليومي. ومن هنا تعانقت خيوط قصة لنده مع خيوط قصة عزيزة، برباط وثيق من الرمزية الأصيلة، حتى أننا لا نقارن أبداً بين "خطيئة" لنده- من وجهة نظر والدها- وخطيئة عزيزة من وجهة نظر الجميع. إن الفنان يهمس لنا من خلال هذا البناء التراجيدي الناجح، بأن الخطيئة اسم على غير مسمى، إنها كلمة اخترعها الناس بعقوبة مطلقة، لتعبر عن حقيقة تعيش في كياننا حتى الأعماق. حقيقة قدرية في ظل المخطط الاجتماعي الذي رسمته الظروف من أجلنا. وهي حقيقة مطلقة بالنسبة إلى جوهرنا البشري. وهي حقيقة نسبية حسب اختلاف ظروفنا.
جميع الحقوق محفوظة لــ تربقافة 2015 ©