الغزل الحسي.. انطلاق الشاعر من نوازع شهوانية وعواطف لا تعرف التحرج أو التعفف والعلاقة بالمرأة فيه علاقة تعبير عن استمتاع بها ووصف الجوانب الحسية منها

الغزل الحسي هو الغزل الذي ينطلق فيه الشاعر من نوازع شهوانية، وعواطف لا تعرف التحرج، أو التعفف، والعلاقة بالمرأة فيه علاقة تعبير عن استمتاع بها، ووصف الجوانب الحسية منها، أو بعبارة أدق هو الغزل الذي " يتألف من أوصاف الحبيبة نفسها، ومعظم هذه الأوصاف يتناول جسدها عضوا عضوا في إطالة واستقصاء حينا، وايجاز وإشارة حينا آخر، وقليلا ما يتناول نفس صاحبته، وقليلا ما مسّ فضائلها، أو عواطفها المجردة".
وعلاقة امرئ القيس بالمرأة لا تخرج عن هذا الإطار، ويدل استقراء شعره على أنه كان مشغوفا بهن ،ميالا بطبيعته إلى تصوير جمالهن . وكأنما كان يريد أن يصنع للنساء تماثيل تظهر محاسنهن، وتبرز مفاتنهن، فهي في احد تماثيله:
مهفهفـة بيضـاء غير مفاضة             ترائبهـا مصقولـة كـالسجنجل
كبكر مقـاناة  البياض بصفرة            غذاها نمير المـاء  غير المحلل
تصد  وتبدي عن أسيل  وتتقي           بناظرة مـن وحش وجرة مطفل
وجيد  كجيد الرئم ليس بفاحش           إذا  هـي نصتـه ولا بمعطـل
وفرع يغشى المتن أسود فاحم           أثيـث كقنـو النخلـة  المتعثكل
غدائره  مستشزرات إلى العلا           تضل المدارى في مثنى و مرسل
وكشح لطيف كالجديل مخصر           وساق  كأنبوب السقـي المذلـل
إلى  مثلها يرنو الحليم صبابه إذا ما اسبكرت بين درع ومجول
فهي تبدو فتاة ممشوقة القد، رشيقة القوام ،في ميعة الصبا ، وريعان الشباب، بيضاء البشرة، صافية الأديم، كلها أنوثة ونضارة، وقد نِشأت في نعمة ورغد العيش، وصدرها يشع بالفتنة والجمال، وتحرك خدها الأسيل في خفة ودلال، وعينها حوراء واسعة, ترسل بريقا، كأنما تسدد سهاما تحميها وتحفظها. وجيدها رائع أحاطت به أحسن الحلي. وأثمن الجواهر، وشعرها شديد السواد، طويل يغطي ظهرها، كثيف نظيف، تبدو فيه العناية واضحة، وتصنع منه أشكالا، منها ما هو مرسل، ومنها ما هو معقود، وكلها متداخل متشابك، هذا في ذاك، ولكن في ابداع واتقان، وخصرها نحيل، قوي متماسك، ولكن في لين ولطافه، وساقها أبيض ممتلئ بض.
وعلى الرغم من جرأة امرئ القيس، وما عرف عنه من الأوصاف الحسية في تصوير جسد المرأة، والمجاهرة بالمغامرات الغرامية، فإن عمرو بن كلثوم كان أكثر تكشفا حين ركز عدسته الفنية على مفاتن جسد محبوبته، وراح يصفها وصف من رأى، فقال:
تريك إذا دخلت على  خـلاء             وقد أمنت عيون الكاشحينا
ذراعـي عيطـل أدماء  بكر             هجان اللون لم تقرأ  جنينا
وثديا مثل حق العاج  رخصا           حصانا من أكف  اللامسينا
ومتني لدنة سمقت  وطالـت            روادفها تنوء بمـا ولينـا
ومأكمة يضيق البـاب  عنها           وكشحا قد جننت  به جنونا
وساريتـي بلنـط أو رخـام             يرن خشاش حليهما  رنينا
فقد رأى منها ذراعين ممتلئين، كذراعي ناقة بكر، طويلة العنق ، سمينة بيضاء لم تحمل ولم تلد، وثديا مثل حق العاج أبيض مستديرا مصونا، لم يمسه أحد ومتني قامة طويلة لينة، وأردافا مكتنزة ثقيلة، ووركا عظيما ممتلئا، وكشحا جميلا جن من حسنه، وساقين كأسطوانتين من عاج أو رخام أبيض، فيهما الخلاخيل لها خشخشة ورنين.
ولعل من أكثر ما مد بشهرة النابغة الذبياني، في أرجاء الأدب القديم ، قصيدته المطولة، المعروفة باسم المتجردة والتي تجرأ بها ،فوصف زوج النعمان ملك الحيرة، وهي شبه متجردة من ثيابها، وقد تجاوز كل محظور، وأطاع حواسه المفتونة بمعالم الروعة الأنثوية.
لقد حشد النابغة أعظم إمكاناته كمصور، وناحت، ومتأمل، وناظم لدرر الجمال والأنوثة، وكملحن يكشف أنغام الفتنة في الجسد المتجرد، ويرسم خطوطه الموسيقية المنغمة بدقة هاو أصيل.
فإذا بالمتجردة تقوم أمام الناظر، وكأنها حقا، دمية عاج منحوتة، حتى أن الشاعر لم ينس أن يصور كيف رفع النهد الثوب عاليا، هكذا ليسقط كالهالة حول الجسد القائم وراء شفوفه.
ثم كانت انبثاقة الجسد من بين سجفي كلّة، كالشمس يوم طلوعها، أو كدرة خرجت من الصدفة. وتأتي هذه اللوحة الحركية، عندما يحكي الشاعر كيف سقط النصيف، دون أن تريد إسقاطه ،وكيف حاولت ان تخفي فتنتها بكفها وأنملها  وكان الأنمل عنصر فتتنة إضافية جديدة، وصفه الشاعر، فقال: إنه "يكاد من اللطافة يعقد".
ويعرض النابغة في مقطع من مقاطع القصيدة إلى الراهب الأشمط الذي يخضع لجمالها، دونما اكثراث لعقله، فكأن الشاعر يعطي لنفسه المبرر الأخلاقي الذي يجعله يتعبد للجمال. واستمع إلى أعذب الألحان التي عزفها نابغـة بني ذبيان:
نظرت بمقلـة   شـادن متربب            أحـوى  أحم  المقلتيـن  مقلد
والنظم في سلك يـزين  نحرها           ذهـب  توقد  كالشهاب الموقد
قامت تـراءى بين  سجفي كلة           كالشمس  يوم طلوعها بالأسعد
أو درة صـدفيـة  غواصهـا              بهـج  متى يرها يهل  ويسجد
أو دمية من  مرمـر  مرفوعة           بنيـت  بآجر تشـاد  وقـرمد
سقط النصيف ولم ترد  إسقاطه          فتـناولتـه  واتقتنـا باليــد
بمخضب رخص كـأن  بنانـه           عنم يكاد من اللطافـة يعقــد
نظرت إليك  بحاجة لم  تقضها          نظر السقيم إلى  وجوه العـود
إلى أن يقول:
لو أنها عرضت لأشمط راهب           عبد الإله صـرورة متعبـد
لـرنا لبهجتها  وحسن حديثها              ولخاله رشدا وان لم يرشـد
وعبيد بن الأبرص لا يرى في المرأة إلا مفاتنها الحسية، يقول:
وقـد تبطنـت مثـل الرئم آنسة               رؤد  الشبـاب كعابـا ذات أوضـاح
تدفي الضجيع إذا يشتو وتخصره         في الصيف حين يطيب البرد للصاحي
تخال ريق ثناياها  إذا ابتسمـت            كـمـزج شـهـد  بأتـرج وتفـاح
كـأن سنتهـا في كـل داجيـة                 حين الظـلام بهيـم ضـوء مصباح
وهو يربط بين متعتين: متعة الخمرة، ومتعة الجنس في آن واحد يقول:
ولهوة كرضاب المسك طال بها          في دنهـا كـر حول بعد أحوال
باكرتها  قبل ما بدا الصباح لنا           في بيـت منهمر الكفين مفضال
وعبلة كمهـاة الجـو ناعمـة               كأن ريقتهـا شيـبت بسلسـال
قد بت ألعبها وهنـا وتلعبنـي             ثم انصرفت وهي مني على بال
وهو لا يتحرج من ذكر ما يحدث بينه وبين المرأة من فعل أو كلام، يقول:
فبما أدخل الخباء على مهــ              ـضومة الكشح طفة كالغزال
فتعاطيـت جيـدها  ثم مالت              ميلان الكثيب  بيـن الرمـال
ثم قالت فدى لنفسك  نفسـي              وفـداء لمـال أهلـك مالـي 

أحدث المواضيع

جميع الحقوق محفوظة لــ تربقافة 2015 ©