أمين الدولة بن التلميذ.. ساعور البيمارستان العضدي ببغداد. كان خبيراً باللسان السرياني والفارسي متبحراً في اللغة العربية وله شعر مستطرف

أمين الدولة بن التلميذ:
هو الأجل موفق الملك أمين الدولة أبو الحسن هبة اللّه بن أبي العلاء صاعد بن إبراهيم بن التلميذ أوحد زمانه في صناعة الطب، وفي مباشرة أعمالها، ويدل على ذلك ما هو مشهور من تصانيفه وحواشيه على الكتب الطبية، وكثرة من رأيناه ممن قد شاهده، وكان ساعور البيمارستان العضدي ببغداد إلى حين وفاته، وكان في أول أمره قد سافر إلى بلاد العجم، وبقي بها وهو في الخدمة سنيناً كثيرة، وكان جيد الكتابة يكتب خطاً منسوباً، وقد رأيت كثيراً من خطه وهو في آية الحسن والصحة، وكان خبيراً باللسان السرياني والفارسي متبحراً في اللغة العربية وله شعر مستطرف، حسن المعاني، إلا أن أكثر ما يوجد له البيتان أو الثلاثة وأما القصائد فلم أجد له منها إلا القليل، وكان أيضاً يترسل، وله ترسل كثير جيد، وقد رأيت له من ذلك مجلداً ضخماً كله يحتوي على إنشاء ومراسلات وأكثر أهله كتاب، وكان والد أمين الدولة وهو أبو العلاء صاعد طبيباً فاضلاً مشهوراً، وكان أمين الدولة وأوحد الزمان أبو البركات في خدمة المستضيء بأمر اللّه، وكان أبو البركات أفضل من ابن التلميذ في العلوم الحكمية وله فيها كتب جليلة، ولو لم يكن له إلا كتابه المعروف بالمعتبر لكفى، فأما ابن التلميذ فكان أكثر تبصره بصناعة الطب واشتهر بها، وكان بينهما شنآن وعداوة، إلا أن ابن التلميذ كان أوفر عقلاً وأخير طباعاً من أبي البركات،ومن ذلك أن أوحد الزمان كان قد كتب رقعة يذكر فيها عن ابن التلميذ أشياء يبعد جداً أن تصدر عن مثله، ووهب لبعض الخدم شيئاً واستسره أن يرميها في بعض طرق الخليفة من حيث لا يعلم بذلك أحد، وهذا مما يدل على شر عظيم، بعد ذلك رجع إلى رأيه وأشير عليه أن يبحث ويستأصل عن ذلك، وأن يستقر من الخدم من يتهمه بهذا الفعل، ولما فعل ذلك انكشف له أن أوحد الزمان كتبها للوقيعة بابن التلميذ، فحنق عليه حنقاً عظيماً ووهب دمه وجميع ماله وكتبه لأمين الدولة بن التلميذ، ثم أن أمين الدولة كان عنده من كرم الطباع وكثرة الخيرية أنه لم يتعرض له بشيء، وبعد أوحد الزمان بذلك عن الخليفة وانحطت منزلته.
وكانت وفاة أمين الدولة ببغداد في الثامن والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ستين وخمسمائة، وله من العمر أربع وتسعون سنة، ومات نصرانياً، وخلف نعماً كثيرة وأموالاً جزيلة، وكتباً لا نظير لها في الجودة، فورث جميع ذلك ولده وبقي مدة، ثم إن ولد أمين الدولة خنق في دهليز داره الثلث الأول من الليل، وأخذ ماله، ونقلت كتبه على اثني عشر جملاً إلى دار المجد بن الصاحب، وكان ابن أمين الدولة قد أسلم قبل موته، وقيل إنه كان شيخاً قد ناهز الثمانين سنة، ووجدت في أثناء كتاب كتبه السيد النقيب الكامل بن الشريف الجليل إلى أمين الدولة بن التلميذ وهو يمتدحه فيه.
ولأمين الدولة بن التلميذ من الكتب أقراباذنيه العشرين باباً، وشهرته وتداول الناس له أكثر من سائر كتبه، أقراباذينه الموجز البيمارستاني، وهو ثلاثة عشر باباً، المقالة الأميلية في الأدوية البيمارستانية، اختيار كتاب الحاوي للرازي، اختيار كتاب مسكويه في الأشربة، اختصار شرح جالينوس لكتاب الفصول لأبقراط، اختصار شرح جالينوس لكتاب تقدمة المعرفة لأبقراط، تتمة جوامع الاسكندرانيين لكتاب حيلة البرء لجالينوس، شرح مسائل حنين بن إسحاق على جهة التعليق، شرح أحاديث نبوية تشتمل على طب، كناش، مختصر الحواشي على كتاب القانون للرئيس ابن سينا، الحواشي على كتاب المائة للمسيحي، التعاليق على كتاب المنهاج، وقيل أنها لعلي بن هبة اللّه بن أثردي البغدادي، مقالة في الفصد، كتاب يشتمل على توقيعات ومراسلات، تعاليق استخرجها من كتاب المائة للمسيحي، مختار من كتاب أيدال الأدوية لجالينوس.
جميع الحقوق محفوظة لــ تربقافة 2015 ©