شعر الغزل.. التصابي والولع بمودات النساء وإلفهن والتخلق بما يوافقهن. إيلاء الشاعر المرأة الأفضلية فيمن يتحدث إليهم وأنها جديرة بأن يقف فنه الشعري عليها

يحس الشاعر بأن المرأة من مقومات وجوده، وقد كان الدافع الرئيس في توجهه إليها، وبوصفها الجزء المتمم له، فكان الغزل سفيره إليها، لاستمالة قلبها، وكسب ودها .
والغـزل هـو التصابي، والولع بمودات النساء، وإلفهن، والتخلق بما يوافقهن، فنشأ نشأة إنسانية يصف فيه الشاعر عاطفته تجاه المرأة، بأسلوب عذب رقيق لين .
وأكثر ما يطالعنا الغزل الجاهلي في مطالع القصائد ، لأن الشاعر كان يولي المرأة الأفضلية فيمن يتحدث إليهم، وأنها جديرة بأن يقف فنه الشعري عليها. فيعبر الشاعر من خلال قصيدته عن مجموعة تجاربه في الحياة، ولكن تجربة الغزل تبقى من التجارب الذاتية الخاصة بالشاعر، التي تمتزج بالشكوى والحزن والألم، بسبب طبيعة حياته غير المستقرة ،وما فيها من قرب وتواصل، والتقاء وافتراق ، ولهذا كانت المطالع الغزلية في الشعر العربي، وقصائد الغزل الكثيرة تطرد فيها رنة حزينة باكية، تبدو في بعض الأحيان مظهرا سوداويا، يصور بعض تشاؤمية الشاعر في نظرته إلى المرأة والجمال، وهنا ينهض العامل الاجتماعي والنفسي بدور كبير في خلـق مفهـوم الألم وتجسيده في المقدمة الغزلية.
لقد وجد الشاعر الجاهلي في المرأة الكيان الذي يودعه كل مشاعره الرقيقة، ويعبر من خلالها عن إحساسه بالجمال، وإعجابه به، ويكشف عن لوعته، وذكريات شبابه ،لذا اعتنى بالمرأة أشد العناية، وحرص على أن يجعلها مثالا. لقد كانت المرأة مولدا شعريا لشاعرنا الفارس النبيل، ترحالها يلهمه، ونظرتها تنطقه، وهي بعيدة عن تكوين الانسان البيولوجي. فهل قرأنا لشاعر جاهلي دون أن نحتفظ بهذه الصورة. إن المرأة، وهي نائمة، تنشر المسك، والزعفران، وأصناف الطيوب كافة، وإن الأنثى الجاهلية دائما عطرة، ينضح من فمها الطيب، ودائما ساحرة وفاتنة.. وكان خياله الرسام يمده بالكثير من الصور الخلابة المتدفقة بالسحر، والجمال، والصفاء والطهر. فالرسوم الطبيعية التي رصف بها جسد حواء، وجوارحها، كانت كلها شهية الطعم، لذيذة المذاق، محببة إلى النفس، لونا وشكلا وشذى.
عنق المرأة كجيد الغزال، وشفتاها كأوراق الورد، وعيناها كعيني البقرة الوحشية، تجمع بين سواد الليل ، ونقاء الفجر، بسمتها تغريك دائما باستجداء اللذة، وحديثها يوحي إليك بطعم فمها العسلي، وأسنانها كأوراق الأقحوان، وشعرها جدول من جداول الليل، يتيه فيه المشط، ونهداها جامدان متماسكان دائما، وبطنها قطعة من نسيج فضي أملس، وهي دقيقة الخصر ابدا، وكان يخشى الشاعر عليها من أن تتقصف أثناء السير. هذه هي الصورة العامة للجمال " ليست مستقاة من شاعر واحد، بل هي مستقاه من الشعراء جميعا، فهي إذن تمثل الذوق العربي أدق تمثيل، وليس غرض الفنان أن يحاكي الواقع محاكاة لا تصرف فيها، فينقل صورة من الطبيعة، أو من المرأة، خلوا من عاطفته، وخياله، ولكنه يحاكي الطبيعة، ويستمد منها، ويضيف إليها، والشاعر الذي يصف المرأة على حالها دون أن يضفي على وصفه من خياله وعاطفته ،مثله مثل المصور الذي يلقط الصور بالكاميرا وشتان بين المصور اللاقط، والمصور الرسام.
جميع الحقوق محفوظة لــ تربقافة 2015 ©