لوحة الحمار الوحشي في الشعر الجاهلي.. تعبير الشاعر عن خبرة دقيقة بأحوال الصحراء بتشبيه ناقته بحمار الوحش في سرعته وصلابته وحكمة الحمار وسداد رأيه

إن التقاليد الشعرية العريقة لا يمكن أن نقبل بتفسيرها تفسيرا ساذجا، فنقول : إن الشاعر يريد أن يعبر عن خبرة دقيقة بأحوال الصحراء ، والشعر أعمق من أن يكون استعراضا للمعارف، والشاعر لا يشبه ناقته بحمار الوحش في سرعته وصلابته فقط ، لأن قصة حمار الوحش تحمل معاني أخرى غير السرعة والصلابة ، ففيها حكمة الحمار ، وسداد رأيه ، وعزيمته ، وغيرته ، وتعشقه ، ومعرفته .
والشعراء عندما يكررون هذا المشهد ، يعبرون عن حاجة ملحة في النفس، فيختارون لها هذا الشكل الفني العريق . إن عقل الشاعر الجاهلي لا يظهر ظهورا واضحا في غرض من أغراض شعره -  إذا استثنينا الحكمة – كما يظهر في الحديث عن الحيوان ، ولا سيما الثور الوحشي ، وحمار الوحش ، والظليـم ، " ولعل شغف الشعراء بتصوير هذه الحيوانات تصويرا دقيقا واسعا يتكرر في طائفة عظيمة من هذا الشعر ، يعكس حاجة أو رغبة بين جوانحهم للتعبير عما في نفوسهم وعقولهم ".
وقصة حمار الوحش تبدأ عندما يشبه الشاعر ناقته بهذا الحمار ، وتكاد صور التشبيه تأخذ شكلا فنيا ثابتا ، كقول عبيد بن الأبرص:
حرف كأن الرحل منها على                ذي عانـة مرتعـة عاقل
وقول النابغة:
كأن قتودي والنسوع غدا بها         مصل يباري العون جأب معقرب
اشتهر أوس بن حجر بوصف الحمر الوحشية ، فضلا عن وصف القوس ، وشهد له بهذا التفوق ابن قتيبة في ترجمته له فقال : " وهو من أوصفهم للحمر والسلاح ، ولا سيمـا القـوس ، وسبـق إلى دقيـق المعانـي ". وشهـد له بهذا التفوق أيضا إبن الأعرابي ، فقال : " لم يصف أحد قط الخيل إلا احتاج إلى أبي دؤاد ، ولا وصف الحمر إلا احتاج إلى أوس بن حجر".
وبالرغم من أن مشهد الحمار يبدو مختصرا في أحد الموضعين اللذين يرد فيهما من الديوان (، فإن المشهد الطويل الذي يرد في فائيته يكشف عن عمق فني يسمو بالتفاصيل التقليدية حينا ، ويتجاوزها إلى دروب من الإضافة والتطوير حينا آخر . والمشهد يقع في واحد وثلاثين بيتا ، تنبثق عن تشبيه الناقة ، لتتخذ إطار لوحة فنية ذات أسلوب متميز ، يغلبه الطابع السردي .
ويبرز مشهد الحمار تعبيرا عن صور صراع متميزة ، تتخذ مجراها عبر أداء فني للتفاصيل المشحونة بالقدرة الإيحائية عبر المشهد كله ، فتبدو الخضرة الربيعية والمياه التي يردها الحمار وأتانه ، أو أتنه ، أول المشهد تشخيصا حيا لمرحلة ما قبل الصراع ، والتي تتمثل في حياة الشاعر نفسه استقرارا وسكنا  إلى مجرى حياته مع الذين تربطه بهم وشائج وجوده الاجتماعي . وعندئذ يواجه الحمار تحدي البحث عن مورد جديد ، وتقف الأتن منتظرة قضاءه ، حتى ينجلي الموقف عن تذكره عينا نائية، يصبح الرحيل إليها رمزا للبحث عن دفء الاطمئنان المفقود. وتتدفق مشاهد الرحيل لتمثل صراع الحمار مع أتنه النافرة ، وهو يزجيها إلى هدفه، حتى إذا لاح له الماء ، أقبل ملهوفا ليلقي أكارعه فيه ، بعد أن تحقق الحلم بالوصول ، ولكنه ما يكاد يطمئن إلى موضعه حتى ينبري له القدر في هيئة صياد جائع ، يرسل سهما ينذره بخطر الموت ، وهنا يفزع هو وأتنه إلى نجاء لا هوادة فيه ، ويكون الشعر عند ذلك قد استوفى صور تجدد صراع الإنسان الذي لا ينتهي إلى غاية حتى يرغمه القدر على رحيل جديد ، إلى حلم جديد .
كأني كسوت الرحل أحقب قاربا            لـه بجنـوب الشيطين مساوف
يقلب قيدودا  كأن  سراتهـــا                 صفا مدهن قد  زحلفته الزحالف
يقلب حقباء العجيزة  سمحجــا               بها ندب من  زرهٍ  ومناســف
وأخلفه من كل وقط  ومدهــن              نطاف فمشروب يباب  وناشـف
وحلأها  حتى  إذا  هي أحنقـت             وأشرف فوق  الحالبين الشراسف
وخب  سقـا قريانـه وتوقـدت               عليه من  الصمّانتيـن  الأصالف
فأضحى بقارات الستار  كأنــه             ربيئة جيش  فهو  ظمآن خائـف
يقول له الراؤون : هذاك  راكب          يؤبن شخصا فوق علياء  واقـف
إذا استقبلته الشمس صد  بوجهه          كما صد  عن  نار المهول حالف
       ولمس لبيد بن ربيعة بإحساس الفنان الأصيل أعمق مشاعر النفس وأخفاها، فصور غيرته على أنثاه ، فقد رسم صورة حية للزوج ، وقد انسرب إلى نفسه الشك وخامره ايمان مدخول بزوجه، واشتدت به الحال ، وضاقت، فخرج بها ينشد البعد والوحدة ، ويطارد الخوف.
وقد وقف عند هذا المشهد الأستاذ البهبيتي، ورأى أنه يحفل بالرموز الإنسانية المتقمصة في تصرف ذلك الحيوان الأصمّ ، وقال: " فلبيد يفصّل في وصف حال حمار الوحش تفصيلا يطلعك على نوع ما يجري بقلبه من انفعالات الغيرة ، والحرص على أنثاه ، حرصا لا يقاربه فيه إلا الإنسان . وهو إذ يفعل ذلك يتتبع تلك الانفعالات النفسية الطارئة على الذكر في حالته هذه تتبعا دقيقا وافيا ، ويصف من أحواله وأحوال أنثاه ما لا مراء في أن عناصره مستمدة من احساسات صاحب الشعر نفسه وتجاربه . ولو كان محل هذا الحمار إنسان ، لما استطاع الشاعر أن يذهب في تحليل حرصه على أنثاه أكثر من ذهابه في تحليل مشاعر الحمار ( ) " . وقال واصفا هذا المشهد:
فلها هَباب في  الزمام  كأنهـا             صهباء خفّ مع الجنوب جهامها
أو مُلمعٌ وسَقَتْ لأحقبَ لاحـه            طردُ الفحول وضربُها وكِدامُهـا
يعلو بها حُدَبَ الأكام مسـحّجٌ            قد رابه عصيانهـا ووحامهــا
جميع الحقوق محفوظة لــ تربقافة 2015 ©