لوحة الثور الوحشي في الشعر الجاهلي.. التشبيه الاستطرادي بإطالة التشبيه والاستطراد فيه. مواجهة الثور لأهوال ليلة يشتد فيها المطر والريح من أجل أن يحتفر لنفسه مبيتا عند أصول شجرة أرطاة أو غرقد

لا يكاد الشاعر الجاهلي يفرغ من وصف ناقته ، التي أطال الوقوف عندها، ودقق النظر في أعضائها ، حتى يعرض علينا لوحة فنية ثانية ،هي لوحة " الثور الوحشي " متخذا من أداة التشبيه " كأن " جسرا لفظيا يربط هاتين اللوحتين الفنيتين، فيفصل القول في المشبه به ، لدرجة أن القارئ ينسى المشّبه لطول التشبيه. وقد وقف أستاذنا محمد النويهي عند هذا التشبيه الذي سماه "التشبيه الاستطرادي" ، وقال : " وهكذا نستطيع الآن أن نفهم ظاهرة من أهم الظواهر في الفن الجاهلي ، وأجدرها بالتفكير الطويل ، وهي إطالة التشبيه والاستطراد فيه إلى حد يبدو فيه مسرفا ، فهذه الظاهرة لا يمكن تعليلها تعليلا مقنعا ما دمنا نصدق إدعاء الشاعر أنه جاء بالتشبيه ليوضح المشبه ، ولم ندرك أن هذا التشبيه الطويل المستطرد ليس إلا حيلة، يحتالها الشاعر للخلاص من موضوع يعتقد أنه وفاه حقه ، إلى موضوع آخر، يريد أن يعطيه عنايته ، فليلتمس هذا الربط المصطنع ، ليبرر انتقاله".
وصـورة الثـور الوحشي في عامة التجارب الشعرية قد تشابهت عناصرها " ولا تكاد سيماؤه تختلف إلا في بعض التفاصيل ، لدرجة أن المرء قد يتوهم أحيانا وكأن أمامهم نموذجا معدا ينسخون عنه .
والثور يواجه صراعه منفردا ، لا يقف إلى جانبه مَنْ يلوذ به ، أو يحتاج إلى حمايته ، وبذلك يتجه المشهد إلى منح الشاعر فرصة الايحاء بمواقف الصراع، ذات الطابع الفردي ، ونراه في عامة التجارب يواجه صراعين : يتمثل مشهد الصراع الأول في مواجهة الثور لأهوال ليلة ، يشتد فيها المطر والريح ، وغالبا ما يكون هذا المطر من نوء الجوزاء، فيصارع من أجل أن  يحتفر لنفسه مبيتا عند أصول شجرة أرطاة أو غرقد.
وأما مشهد الصراع الثاني فيكون في مفاجأته بنذير الموت ، متمثلا في أصوات كلاب صيد مقبلة ، وعندئذ يفزع إلى قوائمه ، فيستمد منها العزم على الهرب ، ولكن الكلاب تتكاثر عليه ، وتنهش لحمه ولكنه يتذكر كرامته ، فيكر عليها بروقية (قرنية) ليطعنها ، فيصرع هذا ، ويجرح ذاك ، وتراجع السليمة منها أنفسها ، وترى أن اليأس أولى بها ، فتعود عنه . ويتجه نحو المجهول.. والثور، هو المنتصر غالبا في معركة فرضها عليه قدره ، وهيأ له فيها وسائل النصر ، ما عدا قصائد الرثاء ، فقد كان الهالك فيها.
وهذه هي الصورة العامة لهذه اللوحة الفنية في عامة التجارب الشعرية ، ولا يختلف الشعراء إلا في تفاصيل عرضها . ويعد الأسود بن يعفر النهشلي من أوائل الشعراء الذين وقفوا عند هذه اللوحة الفنية وقفة طويلة، وفصلوا أبعادها ، ودققوا في أجزائها . فقد ركز عدسته الفنية ، " ورسم لوحة فنية رائعة لهذه العملية - عملية الصيد - التي تعاور على إيرادها الشعراء من بعده ، فقد لون الأسود الصورة بألوان زاهية ، ووضح معالمها توضيحا بينا ، وجسد زواياها تجسيدا حيا، فاستدق بأوصافها.. وقد هيأ الشاعر لهذه الصورة مستلزماتها  ومتطلباتها ، وقد احتذى الشعراء بعده حذوه وقال:
 كأنها ناشط هاج الكلاب  بـه               من وحش خطمة في عرينه خنس
بانت عليه من الجوزاء  أسمية             وقيل بالسبط العامي يمتـــرس      
ثم أتى دفء أرطأة بمحنيــة                من الصريمة أواهٌ لها الدلـــس    
منبوذة بمكان لا شعـار بــه                 وقد يصادف في المجهولة اللمـس
عيرته بين أنقاء حنون  لهــا               من الصريمة أعلى نربها  رهـس  
فاجتابها وهو يخشى أن يلط بها          خوف على أنفه والسمع محتـرس
يبري عروقا ويبدي عن أسافلها          كما تلين للخرانة الشـــــرس        
حتى إذا ما انجلت ظلماء ليلتـه           عند الصباح ولم يستوعب الغلـس
  ونحن أمام قصة ، شخصياتها : الثور الوحشي ، والكلاب الضارية ، والصياد . وقد ركز الشاعر عدسته الفنية على شخصية البطل (الثور) فرسمها ، ووضح جوانبها . فإذا به يجوب الفلوات والقفار ، في ليلة ليلاء ، شديدة البرد والمطر، والريح. ضاقت به الدنيا، فأخذ يبحث عن مأوى يبيت فيه ، ليقيه  البرد ،
فيتجه إلى مكان ناء ، ويهتدي إلى شجرة أرطى ، وهي شجرة منبوذة بمكان لا شعار به ، اختار ذلك المكان القصي ليلتمس فيه الأمن والاستقرار ، وليكون بمنأى عن أي عدو قد يظهر . وظل يتوجس خيفة ، وأرخى سمعه ليلتقط أي صوت مهما كان بعيدا ، فاتسم سلوكه هذا بالحذر ، وحفر لنفسه مكنسا في أصل تلك الشجرة.. وفي ساعات الصباح ، وبعد أن أخذ الصبح ينشر خيوطه مار وانتفض، لينفض عن قرنيه ومتنه ما علق عليه من رمل.. وكان اهتزازه يدل على خيلاء ، وزهو ، وفرح.. وتبدأ الأحداث بالتعقيد.. وتبدأ شخصيات جديدة  بالظهور ، وهي الكلاب الضارية ، التي أضناها الجوع.. فبدت متجهمة عابسة ، ظهرت على شكل سرايا.. ليس لها زعيم يتقدمها.. يسير خلفها صائد بائس مكدود ، أشعث أغبر  لشدة ضربه في الأرض بحثا عن رزقه ، يتضور جوعا ، وليس لديه شيء من الطعام ، وليس له مصدر رزق إلا الطوف ليلا ، ومطاردة أوابد الصحراء .
وتبدأ القصّة بالتعقيد ، وتبدأ الكلاب تطارد الثور مطاردة عنيفة ، استمرت حتى طلوع الشمس.. وكادت الكلاب تتغلب على الثور.. ونرى الثور يفكر في حقيقته ووجوده ، ويدخل معها في قتال ضار ، ويتخذ من قرنيه سلاحا يذود به عن كرامته ، فيبقر بطون هذه الكلاب.. فإذا بكثير منها تصرع ، وتضرج بالدماء، وتفر الكلاب التي نجت، ويستأنف الثور مسيرته ، متجها نحو المجهول .    
أما ثور النابغة فهو مجرس وحد ، يحمل الذعر في داخله ، يستطلع الأصوات ، والأجراس الصغيرة ، بل تنفسات الطبيعة ، ويخشى كل نبأة.. فها هو الليل قد أقبل عليه ، يجنه بالظلمة ، وتعصف به الرياح ،  وينهمر عيه سيل المطر..
فيلجأ إلى شجرة أرطاة ، وينبلج الفجر.. فيواجه صراعا آخر مع مجموعة من الكلاب.. فأقبل يطعنها بقرنيه ، والكلاب أخذت تنهشه.. وقد تعارك الثور والكلاب كأنهم ممثلون على مسرح الحياة.. ويأبى النابغة إلا أن يكون ثوره هو المنتصر، فقال:  
مجرس  وحد  جون  أطاع لـه             نبات غيث من الوسمي مبكـار
سراته  ما  خلا  لبانه  لهــق               وفي القوائم مثل الوشم بالقـار
باتت له  ليلة  شهباء  تسفعــه             بحاصب ذات أشعان وأمطـار
وبات ضيفا  لأرطاة  وألجــأه            مع الظلام إليها  وابل  ســار
حتى إذا ما انجلت ظلماء  ليلتـه          وأسفر الصبح عنه أي  إسفـار
أهوى له قانص يسعى  بأكلبــه           عاري الأشاجع من قناص أنمار
محالف الصيد هياش له  لحــم            ما إن عليه ثياب غير أطمــار
يسعى بغضف براها فهي طاوية          طول ارتحال بها منه  وتيــار  
حتى إذا الثور بعد النفر أمكنـه            أشلى وأرسل غضفا  كلها ضار
فكر  محمية  من  أن يفـر كما             كر المحامي حفاظ خشية العار
فشك بالروق منه  صدر أولهـا           شك المشاعب أعشارا بأعشـار
ثم انثنى بعد للثاني فأقصــده               بذات ثغـر بعيـد القعر نعـار
وأثبت الثالث الباقي  بنافــذة              من باسل عالم بالطعـن  كرار
وظل في سبعة منها لحقن بـه            يكر بالروق فيها كر إســوار
حتى إذا ما قضى منها لبانتـه            وعاد فيها باقبال وادبــــار
انقض كالكوكب الدري منصلتا         يهوي ويخلط تقريبا  بإحضـار
إن مشاهد الصراع الدامية في هذه اللوحة الفنية ( لوحة الثور الوحشي ) من أشد أنواع الصراع في القصيدة الجاهلية  ، وربما حمل الثور في لوحة الصراع هذه إرثا من القداسة التي كان الأوائل يسبغونها عليه. وربما كانت هذه القصة معادلا فنيا للصراع الدائر بين الإنسان والأقدار التي يحول حاجزها بين الإنسان وما يتمناه.
وربما يكون الشاعر الجاهلي قد أراد أن يبرز صورة الصراع الإنساني ، ودور الفرد فيه . فالثور يرعى وحيدا ، ليس مع قطيع . فيدور الصراع بينه وبين الكلاب ، ويكون هو المنتصر ، إلا في نماذج الرثاء ، وقد يكون في هذا الانتصار انتصار لفردية الشاعر على أعدائه بمنأى عن القبيلة ، مخففا بهذا من غلواء قيود الالتزام القبلي ،  تلك القيود التي أدمت معصميه.
جميع الحقوق محفوظة لــ تربقافة 2015 ©