لوحة بقرة الوحش في الشعر الجاهلي.. إبراز الشعراء السباع التي تتربص بالبقرة والولد الذي تحرص عليه

تشبه لوحة بقرة الوحش الفنية لوحة الثور الوحشي من حيث ملامحها العامة، وتختلف عنها في بعض التفاصيل، إذ يبرز الشعراء في هذه اللوحة عنصرين جديدين هما: " السباع التي تتربص بها (البقرة)، والولد الذي تحرص عليه".
ومن أبرز الشعراء الذين وقفوا عند هذا المشهد لبيد بن ربيعة ، الذي خرج من تشبيه استطرادي إلى تشبيه استطرادي آخر ، فبعد أن فرغ من الحديث عن ناقته ، شبهها بالحمار الوحشي ، الذي أضفى عليه مشاعر إنسانية - كما أشرنا إلى ذلك - خرج من ذلك التشبيه الطويل إلى تشبيه آخر طويل، شبه فيه ناقته بالبقرة الوحشية ، مضفيا عليها " أصدق العواطف الإنسانية وأجملها ، عواطف الأمومة الأصيلة النقية "، مما يدل دلالة قاطعة على أن هذا المشبه به مقصود لذاته ، لا لبيان سرعة المشبه.
وفي هذه اللوحة الفنية يصور لبيد بقرة وحشية ، ضاع منها ولدها فتخلف عن القطيع... فتغافلت عنه بالرعي ، وعندما امتلأ ضرعها باللبن ، استيقظت مشاعر الأمومة في قلبها ووجدانها تجاه وليدها ، فتبحث عنه ، وتصوت في كل اتجاه ، لعله يسمعها ، وتتعرض هذه البقرة لمأساتين متلاحقتين: المأساة الأولى : يجنها الليل ، وتنهمر السماء بالمطر ، وتشتد الريح ، فتلجأ إلى شجرة ضخمة تقضي في أصلها ليلتها ، وتتغلب على قسوة الطبيعة. وفي ساعات الصباح الباكر تعاود البحث عن وليدها من جديد ، فتتعرض لمأساة جديدة ، إذ تستشعر صوتا حفيا، لا تتبين مصدره، إنه صوت الصياد الذي ألقى في قلبها الخوف والرعب ، فكان عليها أن تختار  بين أمرين  أحلاهما مرّ: إما أن تنجو بنفسها ، وتتخلى عن ابنها ، وإما أن تدخل في معركة مع كلاب الصياد ، ليس الفوز فيها مضمونا...
إنه موقف، يصعب فيه على الإنسان أن يختار، لو وضع في الظروف نفسها... فاختارت البقرة مدفوعة بغريزة الحياة ، النجاة لنفسها... فأخذت تعدو وكلاب الصياد تعدو خلفها، حتى نال منها التعب، وأضناها العدْو، فأحست باليأس، فانعطفت إلى هذه الكلاب ، ودارت بين الفريقين معركة حامية أسفرت عن سقوط قتيلين من الكلاب، بقرت بطنيهما بقرنيها.
وقـد وقف نجيب البهبيتي،عند هذه اللوحة ، وقفة رائعة، وقال: وتلبث (البقرة) هناك برهة موزعة بين مطلب الحياة ، ومطلب الأمومة ، في حيرة من أمرها ، أتحمي نفسها ؟ أم تبحث عن طفلها ؟ ولو وضع الشاعر موضع هذه البقرة إنسانا ، فلقي ما لقيت البقرة في تلك اللحظات القصصية الكبرى ، لما وجد في شعره أكثر مما قال .
أما بقرة الوحش في شعر الأعشى فهي أقل استعدادا للاشتباك الدامي من نظيرتها عند لبيد وزهير.
وينقل لنا الأعشى لوحة فنية دقيقة التفاصيل لبقرة تشهد بعينها وحشا يفتك بوليدها ، فيمزقه بالمخالب والأسنان مستمرئا لحم الوليد أمام الوالدة.
ولم يختتم الأعشى حكاية البقرة بهذا المشهد الذي أدمى قلبها ، نظرا لاستكماله عناصر الحكاية والمأساة، إلا أنه لاحق هذه البقرة ليخرجها من لوحة حزينة ، ويدخلها في أخرى أشد حزنا ، فهي أمام خطر جديد ، ذرّه قرن الشمس، إلا أن الشاعر يدع البقرة عند هذا المشهد دون أن يتمه :
حتى إذا ذرّ قرنُ الشّمس صبّحها            ذؤال نبهان يبغي صحبه المتعا
بأكلب  كسراع  النبل  ضاريـة              ترى من القد في  أعناقها قطعا
جميع الحقوق محفوظة لــ تربقافة 2015 ©