لوحة الناقة في الشعر الجاهلي.. الناقة سفينة البدوي في صحرائه يقطع فيها القفار والفيافي وهي مصدر مهم من مصادر طعامه وشرابه

اهتم الجاهليون بالناقة اهتماما عظيما، وملأوا مطولاتهم بأوصافها ، حتى يكاد يتولد إحساس عند المرء أن هذا الشعر هو شعر الإبل وحده. واقرأ في المخصص لإبن سيدة تجد المؤلف قد خصّ الإبل بنحو مائة وسبعين صفحة من صفحات معجمه الكبير. تحدث فيها عن أسمائها وصفاتها.
والناقة سفينة البدوي في صحرائه ، يقطع فيها القفار والفيافي. وهي مصدر مهم من مصادر طعامه وشرابه.. وبها يقامرون، ويدفعون الديات ، ويجودون في أوقات الشدائد .
وقد فتنت هذه الناقة الشاعر الجاهلي ، فوقف يتأملها ، ويرد بصره فيها ، وأخذ يصفها عضوا عضوا ، ويصف هيئتها وطباعها ، وما يداخل صدرها من أحاسيس ومشاعر ، ويتحدث عن علاقتها به ، كأنما هو يتغزل بها، لأنه يرى فيها نواحي الجمال، وعبقرية الكون التي لا يحيط بها وصف.
ولعل من أهم ما يميز هذا الموروث الشعري الضخم الذي خلفه لنا الجاهليون في وصف الإبل:
1- خشونة اللغة وصعوبتها ، فإنها تخشوشن وتستغلق على الفهم ، بل " يندر أن تنطق الألسنة بها إلا عند الأخصائيين". وما نحسب أن هذه اللغة شديدة علينا وحدنا ، بل نظنها كانت شديدة على معاصري الشاعر الجاهلي أيضا، لأنه "يصور صورة قوية شديدة فيتخذ لها ألفاظا تحكيها".
2- تقارب الصور بحيث يصعب على القارئ أن يفوز بملامح ناقة إنفرد بها هذا الشاعر ، ولم ترد عند سواه ، ويصبح من الصعب إن لم يكن من المستحيل ، " أن نفرق بين شعر هذا الشاع ، أو ذاك في الناقة ، فأسلوبهم فيها متشابه إلى حد كبير  والصّور التي يلتزمونها ، والأساليب التي يجرون عليها ، تكاد تكون أنماطا ثابتة لا تغيير فيها ولا تبديل إلا في حدود ضيقة.
لقد انتهت لوحة الرحلة إلى شعراء العصر المبكرين ، وهي مستكملة لكثير من عناصرها ، ولعل أوضح تلك العناصر هذه الجسور اللفظية التي تؤدي إليها بعد إنتهاء لوحة الافتتاح ، وتتخذ غالبا صيغة " تسلية الهم".
والناقة هي وسيلة الشاعر وأداته التي يستعين بها على بلوغ الهدف من موقف الصراع ، ولهذا فإنه قد يفرغ لوصفها الذي يستمد عمقه ، وامتداده ، من تحفزه الذاتي ، واستعداده الفني لمتابعة تفاصيل مظهرها الفني، الذي طال تأمله له  وامتزجت له في نفسه عوامل الألفة والإعجاب والمنفعة .
ولقد ظل الشاعر الجاهلي يتابع هذه التفاصيل التقليدية ، ويحاول أن يضيف إليها جديدا . وتتجه الأوصاف والتفاصيل الموروثة إلى التركيز على ضخامة الناقة، وشدتها ، وصلابتها ، وسرعتها ، فهي تجسر على السير ، موثقة الخلق ، محكمة ليست مما يلقح ، فلا يدر لبنها ، ولا تضعف بذلك قوتها البدنية ، تشبه العير في صلابتها ، قال الأسود بن يعفر النهشلي:
ولقد تلوت الظاعنين  بجسرة               أجد مهاجرة السقاب جماد
عيرانة سد الربيع  خصاصها              ما يستبين بها  مقيل قراد
وناقة علقمة الفحل التي حملته إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ناقة نشيطة قوية ، صابرة على الهاجرة ، تواصل الليل بالنهار في سيرها السريع الدؤوب ، وكأن صيادا يلاحقها ، على الرغم من طول الرحلة ، وبعد المسافة التي تفصله عن الممدوح ، وما يحفّها من أخطار لا تواجه المسافر فقط ، بل تعرض للناقة أيضا ، فالماء الآجن المتغير الطعم ، والجيف المتناثرة التي ظهرت عظامها البيض لنياق ضعيفة لم تستطع أن تكمل المسيرة ، وعلى الرغم من عظم المشاق فان ناقته الجريئة القوية هي القادرة على أن تحمله إلى المكان الذي يريد .
ولا بد من أن تكون حذرة نشيطة حادة الذهن ، وهي في خشيتها وترقبها وسرعتها تشبه البقرة المذعورة الخائفة من صياد ألم بها يتابعها .
وقد سبقت هذه البقرة الشبوب نبال الصيادين وكلابهم ، وقد استتروا بشجرة الأرطى ليرموها .
وهي في شدة سيرها تميل إلى أفياء الظلال لشدة لفح الهاجرة ، تقطع الفلوات المخوفة . وهذه الفلوات لا تقطعها إلا ناقة قوية جلدة .
وإن كان الشاعر قد عرض لموضوع تقليدي ، وهو وصف ناقته ، إلا أنه حملها من الأوصاف الدقيقة ، ما يخدم غرض القصيدة كلها ، وهو بلوغ الحارث . ذلك البلوغ العظيم الشاق ، الذي نهدت له ناقة قوية ، أناخها أمام القصر .
وناقة كعب بن زهير ليست مبتوتة الصلة بلوحة الافتتاح التي تحدث فيها عن سعاد، وأصبحت صورة من همه ، هي الآن مثل العصر البائد أصبحت بعيدة جدا عن المنال … والتوصل إليها ليس سهلا … فهي تقطن في أرض بعيدة نائية . والرحلة إليها طويلة صعبة ، لا تستطيع القيام بها إلا أنواع خاصة من النياق النجيبات المراسيل ، ومن هنا ينطلق الشاعر في وصف طويل دقيق لهذه الناقة العظيمة التي يحتاج إليها الإنسان في رحلة نحو سعاد ، لكي يتوصل في النهاية إلى تأكيد جديد إلى أن سعاد قد فارقته على مستوى الواقع والوجدان ، يقول:
أمست سعاد بأرض لا يبلغهـــا         إلا العتاق النجيبات المراسيــل
ولن يبلغهــا إلا  عذافــــرة              فيها على الأين إرقال وتبغيــل
من كل نضاخة الذ فرى إذا عرقت           عرضتها طامس الأعلام مجهول  
ثم يشرع في وصف هذه الناقة وصفا تفصيليا دقيقا لكي يقدم لنا صورة مادية متكاملة للناقة المثال ، وهي صورة لا توجد في ناقة واحدة في وقت واحد ، ولكن عناصرها تقع في الحياة متفرقة ، والشاعر يركب من أحسن هذه العناصر صورة واقعية في أصولها ، مثالية في نهايتها .
إن الناقة التي يمكن أن تضطلع بهذه المهمة الصعبة لا بد أن تكون شديدة غليظة ، لا يوقفها الإعياء عن السير ، ولا يكتفي الشاعر بهذا التقرير العام عن الناقة …. فيمضي بعد ذلك في تفصيل هذه الشدة والغلظة فيها ، من خلال أوصافها الحسية المحددة ، فمن أشكال هذه الغلظة أنها إذا عرقت فار العرق منها فورانا ، دليلا على عظم الجهد الذي تبذله ، وأن همتها تتجه دائما إلى مجاوزة الآفاق البعيدة المجهولة ، وكأنها تستمد طموحها ، هنا ، من طموح الشاعر .
ثم يقدم لناقته وصفا حركيا ، يشير إلى نشاطها وقدرتها على طي الأبعاد . فإن هذه الناقة - في الوقت الذي تتوقد فيه رمال الصحراء من لهيب الشمس – تخترق المدى بحدة نظرها ، وبخفة جسمها ، تماما كأنها حمار الوحش ، وسعيا وراء الصورة المثالية لا يكتفي الشاعر بذكر حمار الوحش ، ليشبه به ناقته ، هنا ، فهو ليس حمار الوحش في وصفه العادي ، ولكنه حمار الوحش الذي تأخر عن القطيع ، وأصبح منفردا ، وهو في هذه الحالة يكون في أوج نشاطه لكي يلتحق بالقطيع .
ويلجأ الشاعر إلى وصف الجزيئات في جسم الناقة لكي يؤكد ضخامتها ، وقوتها وقدرتها على متاعب الطريق .
وقد دفعه الإعجاب بناقته إلى تحقيق نسبها ، فيعمد إلى متابعة طويلة معقدة، تشكل على القارئ إذ يقول:
حرف أخوها أبوها من مهجنة           وعمها خالها قوداء شمـليل
ومهما يكن الأمر فإن كعبا لا ينسى في سعيه وراء الصورة المثالية أن يذكر لنا أن هذه الناقة لم تنتج بعد ، لكي يدر لبنها فتضعف بذلك قوتها البدنية.
وبعد أن يمدّنا الشاعر بفيض من الصور الحسية والجسدية ، يقدم لنا وصفا حركيا لناقته ، فهي تمضي مسرعة على قوائم خفاف ضامرة لكي تكون أقدر على الحركة النشيطة ، فغدت من سرعتها لا تكاد تمس الأرض ، وإنما هي مثل تحلة اليمين ، يعمل الإنسان يسيرا بمقتضاه لكي يتحلل من قسمه ، والناقة ، هنا ، تمس الأرض بسرعة مذهلة كمن يتحلل من عهد أخذه على نفسه . ومثل هذه القوائم لا تحتاج إلى التنعيل ، لكي تقوى على الحصى والتلال ، وإنما هي تنثر الحصى بأخفافها يمينا وشمالا ، لا يوقفها شيء.
ويعود الشاعر ليقدم لنا ، مرة أخرى ، صورة حسية حركية متكاملة ، لها طابع مثالي ، للتدليل على سرعة هذه الناقة وخفتها. وهو في هذه الصورة يعطينا شاهدا جديدا على أسلوب الجاهليين في متابعة الصورة وتنقيتها ، ولملمتها… فيلتقط بعدسته الفنية صورة لقوائم ناقته ، وهي في وضع الحركة السريعة في أقسى الظروف ، ليقول لنا : إن هذه القوائم تكون على هذا النحو من السرعة والخفة ، في مثل هذه الظروف الشديدة التي نتوقع معها الخمول والركود من أقوى الأجسام ، فكيف إذن في الظروف العادية أو الحسنة . ففي الوقت الذي تلتهب فيه الدنيا من شدة الحرارة ، ويتوقف فيه الركبان عن السير ، ويقيلون في بعض الظل ، حتى تخف حرارة الهجير.. وينضج خبر الملة بالرمل الساخن... والجنادب لا تقوى على مس الرمال والحصى... في مثل هذه الأحوال تظل ناقة كعب  ترجع يديها عبر الصحراء بسرعة مذهلة مثل يدي امرأة شابة مات بكرها ، فلا تني تحرك يديها تحريك الثاكلة . لقد كان الشاعر في غاية الذكاء حين اختار مثل هذه المرأة ، لكي تكون الموضوع الذي يشبه به يدي ناقته . فقد اختارها شابة لكي تكون قادرة على الحركة الشديدة المستمرة ، وجعلها ثاكلة لبكرها ، لكي يضطرها الحزن إلى التلويح بيديها بكاء وندبا عليه ، وجعلها أما لعدد من الأولاد لكي يكون وقع المصيبة عليها أشد ، فهي لم تفقد البكر فحسب ، بل فقدت المعيل … وستضطرها هذه المصيبة القاسية على المبالغة في بكائها ، وتلويح يديها ، فهي شديدة الحركة واللطم ، كأنها قد فقدت عقلها حين جاءها الخبر بالنعي ….. وهي لا تني تشق الثياب، وتخدش النحر والصدر باللطم .
وعلى الرغم من أن الشعراء الجاهليين قد تفتقت ألسنتهم بوصف نياقهم وصفا حسيا، أبدعوا فيه إلا أن " قلوبهم قلما خفقت بمشاعر تلك الإبل ، وأحاسيسها  وما يعتري نفوسها الواجفة من حنين وشوق ، وما يتسرب إليها من خوف ، ووجع  وما تشهق به من شكوى دامعة".
وتفنن المثقب العبدي في وصف ناقته التي شغلت نصف قصيدته تقريبا، وكان هذا الاعتداد بوصفها جزءا من الاعتداد بوصف شخصيته ، حيث خلع عليها جميع الأوصاف التي تحمل صورته .
والشاعر يتعب ناقته ، ويجهدها لأنه قلق متعب ، فزجها في مسالك صعبة... لقد وجد في ناقته خليلا وأليفا ، يستريح على أنفاسه ، فتقاسمه شطرا من العذاب والعتاب ، وبذلك يدخل الشاعر في تلاحم عضوي مع ناقته ، بصورة لم نعهدها في شعرنا العربي إلا قليلا ، " لقد هدم المثقب جدار العجمة العالي بينه وبين ناقته وقدمها لنا – في غير زيف -  صديقا حميما ، ثقله الحزن ، والمكروه ، وشق عليه الصديق ، فحار في أمره، يقول:
إذا ما قمت أرحلهـا بليــل                 تأوّه آهة الرّجل الحزين
تقول إذا درأت لها وضينـي              أهذا دينه أبدا  ودينـي
أكل الدهر حل  وارتحــال               أما يبقي علي وما يقيني
فأبقى باطلي  والجد منهــا                كدكان الدرابنة  المطين
ثنيت زمامها ووضعت رحلي           ونمرقة رفدت بها يميني
وما أمر تأوهها وشكواها إلا أمر الشاعر، فالشاعر يشكو بلسان ناقته ، وهو الذي يتألم ، ويتأوه ، ويواصل تحمل السفر ، كل ذلك أسقطه على  ناقته .
ولعل هذا ما دفع المرحوم طه حسين إلى القول: إن هذه الأبيات خليقة بأعظم الإعجاب ، وهي من أروع ما قال الناس ، لا في اللغة العربية وحدها ، بل في غيرها من اللغات أيضا.
ولا يقل ما قاله سبيع بن الخطيم التيمي في ناقته عما قاله المثقب ، فقد ترك وصفها ، والحديث عما عليها من رحل أو متاع ، ليصور لنا أحاسيسه تجاه أحاسيسها ، وكأن بينهما مناجاة حزينة ، فهي تحن وتمعن في الحنين ، وكأن صدورها مزامير ، لا تفتأ تزمر ، وتصوت ، فيشفق عليها تارة ، ويزجرها أخرى، فتستعيض عن الحنين الاجترار والصّريف بأنيابها ، لأنها لم تستطع أن تكلمه ، ثم تنهال عبراتها ، فيقع في روع الشاعر أنها ضائقة بزجره إياها ، ويعلم أنها إبل كريمة تصبر على الشدائد ، فاستمع إلى ما قاله:
إما تري إبلي كأن صدورها               قصب بأيدي الزامرين مجوف
فزجرتها لما أذيت بسجرها                وقفا الحنين تجرر  وصريـف
فاستعجمت وتتابعت عبراتها              إن الكريم لما ألم عـــروف  
ولم تكن ناقة الحادرة بأوفر حظا من ناقة المثقب، فهي ناقة ضامرة من شدة التعب، ألحّ عليها بالسفر الطويل ، حتى أحست بالوجع في أيديها ، فأخذت تعرج في سيرها، فقال:
 ومسهدين من  الكلال  بعثتهـم           بعد الكلال إلى  سواهم ظلّـع
أودى السفار  برمها  فتخالهــا           هيما  مقطعة حبـال  الأذرع
تخذ الفيافي  بالرحال  وكلهــا           يعدو بمنخرق القميص سميدع
ومطية حملت  رحل  مطيــة            حرج تنم من  العثار بدعـدع
وتقي إذا مست مناسمها الحصى          وجعا وان تزجر  به  تترفـع
جميع الحقوق محفوظة لــ تربقافة 2015 ©