رثاء الفرسان.. الفخر والحماسة برثاء الأبطال الذين سقطوا في ساحات المعارك والبطولة لإثارة القبيلة كي تأخذ بالثأر

انبثق رثاء الفرسان هذا اللون من الرثاء عند الشعراء الجاهليين في مضامينه من الفخر والحماسة ، فقد كانوا يرثون أبطالهم الذين سقطوا في ساحات المعارك والبطولة ، ليثيروا القبيلة كي تأخذ بالثأر.
لقد أدرك الشاعر الجاهلي قيمة الفقيد، وجسد أصاله الوفاء ، التي يمكن أن يعبر بها الشاعر لهذا الانسان الذي قدم أغلى ما يملك، وأعز ما يمكن أن يجود به إنسان .
ويمتاز هذا الشعر بالعاطفة الصادقة ، والأحاسيس المرهفة ، لأنه يصدر عن قلب موجع ، وفؤاد ملتاع ، وخير مَنْ يمثل هذا اللون من الرثاء متمم بن نويرة اليربوعي الذي رثى أخاه مالكا فقال:
لقد لامني عند القبور على البكا          رفيقي لتذراف الدموع السوافك
فقـال: أتبكـي كل قبر رأيتـه                لقبرثوى بين اللـوى  فالدكادك
فقلت له : إن الشجا يبعث الشجا         فدعني فهذا كله قبـر  مالـك
فهذه الأبيات تكشف لنا روح الشاعر ، بما فيها من لوعة ، وبكل ما فيها من انطلاق وتفتح لا على مأساة أخيه وحسب ،بل على مأساة الانسانية كلها... على مأساة الوجود الذي ينتهي إلى هذه القبور .
ويقف المرء طويلا أمام الشطر الأخير : "فدعني فهذا كله قبر مالك "، ويعجب من هذا السمو الانساني ، والشعور بأن الناس كلهم أصبحوا إخوانا ، وإن كل قبر في الوجود ينطوي على مالك .
ودريد بن الصمة الذي رثى أخاه بقصيدة أعرب فيها عن فداحة رزئه، وولهه لهذا المصاب العظيم ، لقد فقد أخا فارسا لا كالفرسان ، فقد أخا كانت بينهما صداقة حميمة ، ثم شرع يشيد بأخيه ، ويعدد صفاته ، فبدا نموذجا فذا من نماذج الرجال الذين يحملون سمات قومهم ، فيقول:
وان يـكُ عبـد الله خلـى مكانـه           فما كـان وقافـا  ولا طائش اليد
ولا  بـرما إذا الريـاح  تناوحـت        برطب العضاه والضريع المعضد
كميش الازار خارج نصف ساقــه     صبور على العزاء  طلاّع أنجـد
رئيـس حـروب لا يـزال ربيئـة        مشيحا على محقوقف الصلب ملبد
صبـور على رز المصائب حافـظ     من اليـوم أدبار الأحاديث في غد
صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه   فلما عـلاه قـال للباطـل ابعـد
ومما هون من وقع المأساة على قلب الشاعر أن العلاقة التي كانت تربطه بأخيه كانت علاقة حميمة :
وهون وجدي انني لم اقل له               كذبت ولم أبخل بما ملكت يدي
وهون وجدي أنما هو فارط                أمامي ،واني وارد اليوم أو غد
وتتضح هذه العلاقة الحميمة في دفاع الشاعر عن أخيه ، ولم يقعد عنه في الموقف الضنك ، فقد كانت الخيل بينهما ، أي الموت ، فتعرض للخطر في سبيل أخيه :
دعاني أخي والخيل بيني  وبينـه        فلمـا دعانـي لم  يجدني بقعـدد
أخي  أرضعتنـي أمـه بلبانهـا            بثديـي صفاء بيننـا لـم يجـدد
تنادوا فقالوا : أردت الخيل  مالكا فقلت: أعبـد الله ذلكـم الـردي
فجئـت إليـه والرماح  تنوشـه            كوقع الصياصي في النسيج الممدد
وكنـت كذات البو ريعت فأقبلت         إلى جذم من  مسك سقـب مقـدد
فطاعنت عنه الخيل حتى  تنفست        وحتى علانـي حالك  اللون أسود
فما رمت حتى خرقتني رماحهـم        وغودرت أكبو في القنـا المتقصد
فقد كان دريد يحسب أخاه مثل ذات أخرى له ، رضعا ثديا واحدا ، وخرجا من رحم واحد . وذكر اللبان في ذلك المقام يمثل الحتمية الدموية والنفسية والمصيرية التي كانت توثق بينهما . ولم يسبق للشاعر أن عارض أخاه ، فالصفاء بينهما مقيم ولا حاجة لتجديده. لقد كانا متصافيين... وهو لشدة تلهفه على أخيه كان يتوقع الأشياء قبل أن تقع... وحين سمع العويل والصياح والتنادي بالموت ، سأل: أليس عبد الله الذي مات ؟ لقد كانت غريزته توحي له ، وتدفعه إلى ذلك اليقين . إنه هرع إليه ،فألفى الرماح تنوشه ، ولها وقع كخشخشة الصياصي في الثوب حين ينسج . أنه المشهد الذي كان يخشاه.. فأخوه لم يقتل هاربا ، بل قتل في قلب المعركة ، اجتمع عليه الأعداء ، وتألبوا ، وأحدقوا به . هكذا يموت البطل  الرماح تناله من كل جهة ،ولا يفر ولا يكل... أخذ يجول حول أخيه كما تجول الناقة الثاكل حول البو.. فشرع يطعن الفرسان حتى انجلوا.
وكان مقتل فارس من فرسان القبيلة يعد كارثة لها ، لأنها فقدت شجاعته وقوته ، كما أنها فقدت مثلا يحتذى في الفروسية، ويقف الشاعر يرثي هذا الفارس، ويبين أثر فقده على القبيلة . وقد صور قَطَنُ بن نهشل الأرض قد اضطربت ، ومادت بعد ان قتل أخوه جندل ، فأصبح كمن بترت إحدى يديه، قال:
وذاك أبو ليلى أتاني نعيـه فكادت      بي الأرض الفضاء تضعضع
كساقطة إحدى يديه فجانب              يعـاش بـه منــه وآخر أضلـع
ويعرض لنا عبد الله بن عنمة الضبي صورة لفارس بكر ، بسطام بن قيس الذي سقط قتيلا يوم "نقا الحسن" وكان عبد الله منقطعا إلى أخواله بني شيبان ، مبينا في مرثيته ما امتاز به بسطام من فروسية ونبل وكرم وشجاعة ، وكيف خر صريعا ، ويحق لقومه أن يجزعوا عليه لأنهم فقدوا بطلا مطعاما مقداما ، فقال:
لأم الأرض ويل ما أجنت       غداة أضر بالحسن السبيـل
نقسـم مالـه فينا  وندعو           أبا الصهباء إذ جنح الأصيل
إلى أن يقول :
فخر على الألاءة لم  يـوسد            كأن جبينـه  سيـف صقيـل
فان تجـزع عليه بنو أبيـه               لقد  فجعـوا وفاتهـم  جليـل
بمطعام إذا الأشوال راحـت             إلى الحجرات ليس لها  فصيل
ومقدام إذا الأبطال  خـامت              وعـرد عـن حليلته الحليـل
ورثى كعب بن سعد الغنوي أخاه أبا لغور بقصيدة قال فيها الأصمعي: "ليس في الدنيا مثلها" وقال ابو هلال العسكري: "قالوا : ليس للعرب مرثية أجود من قصيدة كعب بن سعد التي يرثي فيها أخاه أبا المغوار " فقد أشاد بالقيم الأخلاقية، والمثل العليا التي كان أخوه يحرص عليها ، ونعته بالحلم ، والجود ، والعزة ، والحلم ، والهيبة ، ومما قاله:
أخي ما أخـي لا فاحش عند بيته        ولا ورع عنـد اللقـاء هيـوب
هو العسـل المـاذي حلما  ونائلا         وليث إذا يلقى العـدو غضـوب
لقد كـان أمـا حلمـه  فمـروح             علينـا و أمـا جهلـه فغريـب
حليم إذا  ما سورة الجهل  أطلقت حبى الشيب للنفس اللجوج غلوب
الى أن يقول:
حبيب إلـى  الخـلان غشيان  بيتـه                 جميل المحيا شب  وهـو اديـب
يبيت الندى يا  أم عمرو  ضجيـعـه               إذا لم يكن فـي المنقيـات حلوب
إذا نزل الأضياف أو غبـت  عنـهم                كفى ذاك وضـاح الجبين أريـب
وداع دعا : يا من يجيـب إلى الندى               فلم يستجبـه عنـد ذاك  مجيـب
فقلت أدع أخرى وارفع الصوت دعوة           لعل أبا المغـوار منـك  قـريب
يجبـك كمـا قـد كـان يفعـل  أنه                    بأمثالها رحـب الـذراع  أريـب
جميع الحقوق محفوظة لــ تربقافة 2015 ©