رثاء الأصدقاء.. المديح النفسي في مراثي أوس بن حجر. رثاء الأسود بن يعفر النهشلي صديقه مسروق بن المنذر بن نهشل

لفتت مراثي أوس بن حجر أنظار العلماء، فتناقلت المصادر تقديمهم لعينيته في رثاء صديقه فضالة بن كلدة الأسدي التي يقول في مطلعها:
أيتها النفس أجملي جزعا              إن الذي تحذرين قد وقعا
فقد قال الأصمعي: لم أسمع ابتداء مرثية أحسن منها. وقد قدم أوس نموذجا فنيا رائدا في المزج بين مرثاة المديح ، ومرثاة التفجع، فقد عني  بتصوير مناقب المرثي من شجاعة وكرم ومكانة اجتماعية ، حاول من خلالها أن يرسم الصورة المثلى التي احتلت استشراف أكثر الشعراء الجاهليين للشخصية العربية الكاملة.
ويتميز أوس بدقة تناوله للصورة المؤدية إلى استكمال أبعاد اللوحة في رثائه بوجه خاص ، وذلك مايطالعنا في مثل الصورة الاستطرادية التي حاول أن يشخص كرم فضالة من خلالها فقال:
والحافظ الناس في تحوط إذا             لم يرسلوا تحت  عائـذ ربعـا
وازدحمت حلقتا البطان باقـ             ــوام وطارت نفوسهم جزعا
وعزت الشمـأل الرياح وقد              أمسـى كيمـع الفتـاة  ملتفعا
وشبه الهيدب  العبام من الـ               أقـوام  سقبـا ملبسـا فـرعا
وكانت الكاعب  الممنعة الـ               ـحسنـاء  في زاد أهلها سبعا
ويشيع في مراثي أوس ضرب نادر من المديح النفسي يتمثل في وصف المرثي بحسن الظن، والقدرة على كشف خفايا الأمور، وإعطاء الرأي الفصل فيها ، ولعل أروع ما ورد قوله:
الألمعي الذي يظن لك الظـ                ـن كأن قد رأى وقد سمعا
ويبدو أن طبيعة موضوع الرثاء أتاحت لأوس أن يطرح الحيطة في بعض صور المبالغة من مديحه للمرثي ، فهو لا يبالي أن يقول في فضالة:
ألم تكسف الشمس والبدر والـ             ـكواكب للجبل  الواجب
علـى الأروع السقـب لو أنه               يقوم على ذروة الصاقب
لأصبح رتما دقاق الحصــى              كمتن النبي من الكاثـب
ورثى الأسود بن يعفر النهشلي صديقه مسروق بن المنذر بن نهشل ، الذي " كان سيدا " جوادا ، مؤثرا للأسود ، كثير الرفد له  والبر به ". وجاءت صورة مسروق امتدادا للصورة التي رسمها أوس لصديقه فضالة ، وهي الصورة المثلى التي كان الشعراء يحاولون تثبيتها في العرف الاجتماعي القبلي ، فهو رجل شجاع، كريم ، يحدب على الأرامل واليتامى ، ويقدم لهم الجفان العظيمة ، فيقول:
أقـول لمـا أتـانـي هلـك سيدنـا           لا يبعد الله رب الناس مسروقـــا
مـن  لا يشيعـه عجـز ولا بخـل         ولا يبيـت  لديه اللحم موشوقـــا
مردى حروب إذا ما الخيل ضرجها       نضخ الدماء  وقد كانت أفاريقـــا
والطاعـن الطعنـة النجلاء تحسبها         شنا هزيما يمـج الماء مخروقـــا
وجفنـة كنضيـح البئــر متأقـة              ترى جوانبـها بالـلحم معتوقـــا
يسرتهـا ليتامــى  أو لأرملــة             وكنت بالبـائس المتـروك محقوقـا
يا لهف أمـي إذ أودى وفـارقنـي           أودى ابن سلمى نقي العرض مرموقا
جميع الحقوق محفوظة لــ تربقافة 2015 ©