القصة القصيرة جدا/ القصيدة (النثر/ الومضة).. أنموذج شعري جديد له تشكيله وصوره، ولغته، وإيقاعاته الداخلية والخارجية

يتحدد التنافذ الشعري في السردي –تحديدا قصيدة النثر أو الومضة- بالكثافة، والخيال، وقوة الأسلوب، والاستعمال الإيحائي للكلمات، إذ تجود اللغة بأقصى طاقاتها التعبيرية دون الابتعاد عن الطابع السردي، فالضغط النوعي المتولد من تماس قصيدة النثر أو قصيدة  الومضة مع القصة القصيرة جدا يحاول استلاب هويتها إلى حد يصعب التفريق بينهما، وقد تجلى هذا الضغط بشكل خاص في القصص التي خلت من (القصصية) بوصفها (المهيمن) على آليات القص واعتمدت على مركزيتها الداخلية وزمنها النفسي وتتابع تفصيلات محددة، وكذلك قصيدة الومضة النثرية التي تخلو من الايقاع؛ ولأن قصيدة النثر قد تخلت عن مسار التقليد الشعري ومحدداته التقليدية (الوزن، والقافية) ولم يعد انتماؤها إلى النص الشعري سوى
((العقد المبرم بين الشعر والمتلقي والتواطؤ بينهما على أن ما يقال شعرا))([1])  لذا فقد تحدد الاقتراب بينهما من خلال ((سماتهما العامة الشكلية تقاربا من اتجاهين متعاكسين لا تفيد معه الفواصل والحدود المعيارية الشكلية التقليدية للتصنيف الأدبي إلا بوصفه أي هذا التقارب علامة إضافية على تقهقر أدوات التصنيف الأدبي))([2]) . إن هذا الرأي يرضخ إلى المبالغة في تقبل (النص المفتوح) حينا ويفتقر إلى نظرة متفحصة تعطي للقصة ما للقصة وللشعر ما للشعر حينا آخر، وأن ما تعانيه القصة القصيرة جدا في هذا الجانب لا يعود إلى جوهرها بقدر ما يعود إلى المحاولات القصصية التي مازالت تئن تحت وطأة الاستسهال والتلقائية من لدن((الأصوات الجديدة ، ولاسيما الذين لم يكن لديهم أي رصيد معرفي كاف بالنوع/ الجذر أو بسواه من الأنواع الأدبية الأخرى من جهة، وبمعنى الإبداع ووظائفه من جهة ثانية))([3]) ، فالقاص المدرك تماما لتقاطع فضاءات القصة القصيرة جدا مع فضاءات قصيدة النثر يتجاوز الآن تبرير وجودها وإقناع المتلقي بثبوت راهنيتها كـ(اضعف الإيمان) وفعاليتها ضمن منظومة تؤشر بإصبعها إلى التجديد والتغيير وان المشكلة ((لا تتعلق بالنوع الأدبي ولكنها ترتبط بقدرة القاص على الإبداع، وليس ثمة نوع أدبي جيد وآخر رديء، لكن ثمة نص جيد وآخر رديء))([4]) ، والفرق بين القصة القصيرة جدا وقصيدة النثر/ الومضة على مستوى التعاطي النقدي، إن الثانية تطورت وأخذت شكلا أدبيا مستقرا ومنتظما كثيرا ويمكن محاولتها فحسب من كاتب مشبع تماما بفهم هذا الاستقرار والرسوخ وان الأولى مازلت قلقة تمارس وجودها بشكل متذبذب وهذه أحدى الصعوبات التي واجهتنا ونحن نحاول الاقتراب من معاييرها وخصائصها الفنية، إلا إن قدرتها التي تتلاءم مع الراهن ووعيه هي التي أشعرتنا بضرورة متابعتها والوقوف معها وهي صغيرة السن قياسا إلى ما يماثلها من أنواع أدبية والذب عنها مثلما ذب المدافعون عن قصيدة النثر وسهولة كتابتها فهي ((من اشد أنواع الأدب القصصي صعوبة في إتقانه، إنها تتطلب صيغة من نوع راق إضافة إلى قابلية في الابتكار))([5])  كما أن ما يزيد العلاقة اشتباكا بين القصة والقصيدة هو استمرار اللعب اللغوي بوصفه عنصرا مهما في كتابة القصة القصيرة جدا، بفتنة اللغة المجازية التي تجمع بين شاعرية القص والقيمة الجمالية إلى الحد الذي سماها بعضهم (الاقصودة) لما لها من تماس يكاد يقترب من المطابقة مع قصيدة الومضة والهايكو خاصة.

إذن بلاغة التوتر التي تقتضيها هندسة الحيز المحسوب إذا جاز التعبير تشدها أكثر نحو قصيدة النثر فالتكثيف والايماض والإيقاع والمفارقة مسارات تتكئ عليها الكتابة القصيرة جدا عموما سواء انتمت إلى الأنواع النثرية أو الأنواع الشعرية، ولكن تبقى ((القصة هي القصة، والشعر هو الشعر، وكلاهما يختلف عن الآخر في طرائقه وعندما تختلط تلك الطرائق فإننا سوف نحصل على شيء مختلف عن كليهما ,أنهما ينبعان من مصادر طبيعية واحدة ولكن القصة تستخدم المادة بطريقته الخاصة وبشكلها حسب أغراضها))([6]) .
وأهم طرائق التفريق بينهما هو البناء التركيبي لكليهما فـ((لا مجال للمقارنة بين الشاعرية في قصيدة النثر وبينها في السرد فما يميز السرد Narrative هو السردية وهو مقدار ما يجعل السرد سردا، أي المكونات السردية التي تجعل من القص سردا وما يميز الشعر وبالتحديد في قصيدة النثر هو الشاعرية ومهما آمنا بتداخل الأنواع وتناصاتها لابد من حد أدنى من الحدود الفارقة والفاصلة))([7])  وان هذا التداخل هو الذي دعا الناقد يوسف سامي اليوسف إلى تسميتها بـ(القصة البرقية) وهو يتناول محمود علي السعيد احد كتابها وهو من الشعراء الذين مارسوا كتابتها منذ بداياتها والقصة الشعرية ((في السنوات العشرين الأخيرة، طرأ تغيير كبير على بنية القصة القصيرة في سوريا وربما في العالم العربي كله فظهرت أنواع من الصياغة أو التشكيل الفني لم تكن مألوفة من قبل اللهم إلا أن يكون ذلك على ندرة وحسب، ومن هذه الأنواع نوع يسمونه (القصة البرقية) ومن نماذجه ما يكتبه محمود علي السعيد، كما أن من بينها صنفا لا تفصله عن قصيدة النثر إلا مسافة قصيرة وهو يمكن تصنيفه تحت هذا العنوان (القصة الشعرية) وثمة صنف ثالث يركز جهده على استبئار منطويات النفس والكشف عن مؤثراتها في عالم مجهد، منهك إنسانه، يلهث من شدة التعب والغم والإحباط، والحقيقة أن هذه الأنواع الثلاثة –وربما كانت هناك أنواع أخرى- تأسس على مبدأ فحواه تقليص الحدث وإلغاؤه))([8]) .
يعرف الدكتور محمود جابر عباس قصيدة الومضة بأنها ((أنموذج شعري جديد له تشكيله وصوره، ولغته، وإيقاعاته (الداخلية والخارجية) وتنبع خصوصية هذا الأنموذج الشعري بما يكتنزه من ملفوظات قليلة ذات دلالات كثيرة وإيحاءات خصبة تتخلق من ذاتها وعلى ذاتها في حركة بؤرية مكثفة ومتوترة ونامية مع كل قراءة جديدة ومتجددة في كل دال ومدلول يتحركان ضمن دائرة العلاقات المرمزة والمفاتيح المتعددة التي تمكننا من ولوج النص))([9]) .
ولو أننا أجرينا تعديلا على هذا التعريف بحذف مفردة (الخارجية) التي تخص الإيقاع، وتحويل مفردة (الشعري) إلى (قصصي) فما الذي سيتغير؟ هل سينطبق هذا التعريف على القصة القصيرة جدا؟ قطعا لا، فالمهيمن في السرد هو (الحكائية) ويختلف عن المهيمن في الشعر (الإيقاع)، ومادام المهيمن السردي لم يحضر في أي نص، فإنه لن ينتمي إلى نوع قصصي ما، فالقاص يتخلص ((من الشخصية القصصية التقليدية، الأوصاف، اسم العلم، الأفعال الكلامية، الأدوار، المواقف لكن لا يتخلص من الحكاية، وقد يتخلص من التواتر والتسلسل والتراتبية الحديثة ومنطق الأحداث وزمنية القص لكنه ما يزال يجد صعوبة في تدمير الحكاية))([10]) . وعليه لا يمكن أن نعد كل نص يمتلك خاصية الإيجاز والتكثيف قصة قصيرة جدا، وكذلك لا يمكن أن نعد كل نص يمتلك إيقاعا داخليا قصيدة نثر أو ومضة، فما يحدد هوية النص وانتمائه إلى نوع أدبي بعينه مكونات متعددة بل مجموعة من الحوافز بتعبير الشكلاني الروسي توماتشفسكي، فعندما تتوسل تقنيات التكثيف والإيجاز في أي نص بلغة رصينة وحيوية تقف العناصر الأساسية للقص (شخصية، حدث، زمان، مكان) الفارق الأساس في كشف هويته إذ بدونها لن يكون سوى شعرا([11]) .
معلوم أن القصة القصيرة جدا ظهرت في عصر التحولات والإغراءات التي ألحت في الإنعتاق من الاشتراطات الفنية لكتابة القصة القصيرة لنقل الأحاسيس تبعا لاستيعاب العصر إذ تم نقل الإيقاع البطيء للحدث إلى الإيقاع الحاد للرؤيا. وسواء تم هذا بسبب ((الرغبة الملحة في التغيير والتي وراءها دوافع جوهرية نابعة من متغيرات الحياة التي نعيشها))([12]) أو بسبب ((ردة الفعل تجاه القصة/اللوحة ))([13])
فان كتابتها شكلت انحرافا عن مسار قصصي متعارف عليه وسيؤدي هذا إلى انحراف حتمي بعناصرها وتقاناتها فهل من الضرورة أن نقرر أن الحدث والشخصية والزمان والمكان ثوابت لهذا النوع القصصي أم ((تتحول هذه العناصر إلى مجرد أطياف بعيدة وتنتمي إلى منطقة حدودية متطرفة تكاد تعبر الحد وتنتقل تماما إلى قصيدة النثر))([14])  وهل يستطيع تحت اختبار نظريات التلقي أن يبرهن على انه نوع قصصي قائم بذاته؟ وما هي الصيغ الأسلوبية التي يطوعها القصاصون لصالح قصصهم القصيرة جدا؟ وإذا كانت القصة القصيرة هي ((قبل كل شيء قصة ثم بعد ذلك قصيرة))([15])  فإن القصة القصيرة جدا هي ((قصة أولا وقصيرة جدا ثانيا))([16])  وسواء اتفقنا أو اختلفنا على المساحة المشتركة بينهما وعلى الخصائص النوعية لكل منهما فان كلا النوعين ينهضان بالقول إلى بنية قصصية أي كل ما يتعلق بالقول القصصي من عناصر وتقنيات تمارس لعبة القص الفنية في خلق عالم متخيل فما الذي يجعلنا نصف النوع الثاني بـ (جدا)؟ هل نقصد بها قصر زمنها المتخيل أو قصر زمن قصها العادي؟ وهل يترتب على هذا القصر جدا تغير في هيئة القص أو تبدل في النمط؟ ما هي الطريقة التي يحضر فيها الراوي في قصة لا تتجاوز عشرين كلمة في بعض المرات؟ هل يختفي وراء الشخصية أو يبقى مجرد شاهد أو ينعدم أحيانا؟ وهل يعتمد الراوي السرد والحوار والمنولوج كما في القصة القصيرة؟ وهل هذه الـ(جدا) تقتصر على حركة الفعل فيها وعلى نظام الحوافز الذي يدفع حركة الشخصية في هويتها وأحاديثها؟ وهل نستطيع أن نحدد سمات لغتها الشعرية من خلال تحليل مستوياتها الصوتية والتركيبية والدلالية بوصفها أرقى درجات الأداء اللساني؟ وما هي حدود التداخل بينها وبين الأنواع الأدبية الأخر كالقصة القصيرة أو قصيدة النثر، أو الخاطرة وغيرها؟ وما مدى ارتباطها بظاهرة التجريب القصصي؟ وهل يعد المفهوم الحجمي بوصفه شكلا هندسيا الجامع المانع لمنح الـ(جدا) شرعيتها؟ وما هو التحديد المعياري لمفهوم القصة القصيرة جدا الذي يجعلها قصة قصيرة جدا؟ وهل غادرت أشكال القصة القصيرة الحداثية التي غادرت بدورها الشكل الموبساني لعدم قدرته على التقاط نبض التطور الحياتي اللاهث؟ وهل اعتمدت لغتها الشعرية على الإيحاء والرمز والانزياح وتعددية الدلالة ومدى تأثيرها في القص وتجليها من خلال المجاز المتمثل بشعرية لغة الوصف والتشبيه والتكرار وتحولها إلى لغة داخلية ذاتية الإحالة([17])  لخلق مساحة أوسع للتأويل دون إهمال اللغة القصصية المألوفة فما الذي يحقق قصصية القصة القصيرة جدا؟ وهل نستطيع من خلال معايير محددة أن نقف أمام نظرية إلغاء الحدود بين الأجناس الأدبية بصلابة وعلمية؟ وهل (الكتابة عبر النوعية) سمة العصر الحديث ولا جدوى من التمترس وراء (النوع المحض)؟
لكي تفضح ما التبس على الأقل الانطباع السائد عنها الآن بوصفها (موضة) أو (تقليعة) أو (بدعة) أو ما شاكل ذلك من تسميات علينا ان نضع القصة القصيرة جدا في موقعها الأدبي ضمن الوجود النوعي لها وألاَ يتعكز مؤلفو القصص الهزيلة على استسهال كتابتها بعيدا عن جوهر القصة القصيرة جدا بدون ارث ثقافي أو أدبي ليسيئوا إليها. وبذلك يظلمها الهاوي والمجرب والمستسهل ولا ينصفها إلا المبدع الذي تفرغ لكتابتها والمهارة السردية طوع يديه، فهو مهيأ ذهنيا لشيء اسمه قص سواء طال أو قصر. وسواء أصابها قدح من المنكرين أو مدح من المنصفين فإنها كغيرها من الأنواع الأدبية تبقى في حاجة إلى معايير تسوغ وجودها وتحقق فرادتها الأدبية وإذا كان سؤال ((هل ثمة خصائص ومقومات فنية وبنائية ولغوية لهذا اللون الجديد من الكتابة القصصية))([18])  سابق لأوانه في بداية العقد السبعيني من القرن العشرين بحجة أنها لم تقدم لنا حصادا غزيرا يكفي لان نستقرئ منه خصائص متميزة تحددها ضمن (قوالب) أو أصول نهائية فإننا في القرن الحادي والعشرين نمتلك كما هائلا من القصص القصيرة جدا تخول الباحث في دراسة الأصول والمفهوم والمكونات التي تحدد سمات هذا النوع وقد حظيت فعلا بدراسات في دراسة القصة القصيرة جدا([19]) .
إننا نعتقد بان القصة القصيرة جدا لاقت النفور كغيرها من البنى الأدبية التي شاكست التذوق السائد بدءا من إخراج أبي تمام عن كلام العرب وانتهاء بقصيدة النثر التي مازالت تئن تحت وطأة المفاهيم التقليدية في تلقي الشعر ليس احتجاجا على مغادرتها البناء الفني المستقر فحسب وإنما لأن قدر التحديث دائما هو الرفض في بداية ظهوره والتهكم والسخرية منه إلى أن يثبت جذوره بشكل يستطيع امتصاص هذا الزخم والعبور إلى الضفة الآمنة.



([1] ) قصيدة النثر في التسعينيات من القرن العشرين في سوريا: 15.
([2] ) متاهة القصة القصيرة جدا، ياسر قبيلات، مجلة الموقف الأدبي، العدد 420، 2006: 80.
([3] ) القصة القصيرة في سوريا- قص التسعينيات، د. نضال الصالح: 69.
([4] ) بروق، قصص قصيرة جدا, إعداد د. يوسف حطيني: 10.
([5] ) فن كتابة الأقصوصة: 13.
([6] ) عالم القصة، برنارد فوتو، تر: محمد مصطفى هدارة: 285.
([7] ) ما هي قصيدة النثر، عمر فرزند: انترنيت.
([8] ) شجرة الصفصاف، يوسف سامي اليوسف، جريدة إلى الأمام، العدد 2285، 15/9/1995.
([9] )  ما هي قصيدة الومضة، أديب محمد حسن: انترنيت.
([10] ) أفق  التجريب في القص المحدث، محمد معتصم: انترنيت.
([11] ) ينظر المآل، دراسة تأويلية في نماذج من القصة القصيرة في الأردن, حكمت النوايسة: 15.
([12] ) مستويات لعبة اللغة في القص الروائي، د. نبيلة إبراهيم، مجلة إبداع، السنة الثانية، العدد 5، مايس 1984: 7.
([13] ) تداخل الأنواع الأدبية في القصة المصرية القصيرة: 251.
([14] ) تداخل الأنواع الأدبية في القصة المصرية القصيرة: 254.
([15] ) الاعتراف بالقصة القصيرة،: 15.
([16] ) القصة القصيرة جدا: 11.
([17] ) ينظر: أفق  التجريب في القص المحدث ، محمد معتصم: انترنيت.
 ([18] ) القصة القصيرة جدا، ظاهرة فنية أو صحافية أو حضارية أم هي ظاهرة لكل هذه جميعا؟، فاضل ثامر، مجلة الموقف الأدبي، العدد 4، آب، 1974: 37.
([19] ) دراسة د. احمد جاسم الحسين (القصة القصيرة جدا,مقاربة بكر), ودراسة د. يوسف حطيني (القصة القصيرة جدا بين النظرية والتطبيق), ودراسة د. خيري دومة (تداخل الأنواع الأدبية في القصة المصرية القصيرة), ودراسة د. نضال الصالح (القص في التسعينات), ودراسة د. محمد مينو (فن القصة القصيرة مقاربات أولى), ودراسة د. عبدالله أبو هيف (ظاهرة القصة القصيرة جدا), ودراسة د. نجم عبدالله كاظم (في الأدب المقارن) وغيرها.

Ping your blog, website, or RSS feed for Free


مواضيع ذات صلة



أضف تعليقك عبر الفيسبوك

0 تعليقات Comments :

Post a Comment

 

Tips Tricks And Tutorials