بنية المكان في الرواية المغربية.. دراس, للقيم الرمزية المرتبطة بالمناظر التي تُتاح لرؤية السارد أو الشخصيات

تحدّث الباحث في هذا البحث عن ثلاثة موضوعات هي: النظرية والمنهج، وأماكن الإقامة، وأماكن الانتقال.
في (النظرية والمنهج) عالج الباحث الدراسات التي عُنيت بالمكان منذ (غاستون باشلار) في كتابه (شعرية المكان) ودراسته للقيم الرمزية المرتبطة بالمناظر التي تُتاح لرؤية السارد أو الشخصيات، سواء في أماكن إقامتهم (كالبيت والغرف المغلقة) أو في الأماكن المنفتحة (المركزية والهامشية)، ومروراً بـ (جورج بوليه) الذي درس الفضاء الروائي لذاته، دون تحليل الروابط التي تجمع بينه وبين الأنساق الطوبولوجية الأخرى. والحال إن المكان لا يعيش منعزلاً عن باقي عناصر السرد، و إنما يدخل في علاقات متعددة مع المكوّنات الحكائية الأخرى للسرد (كالشخصيات، والأحداث، والرؤيات السردية).

وقد حاول (رولان بورنوف) في (العالم الروائي) أن يملأ هذه الثغرة التي تركها مواطنه بوليه، وذلك حين تساءل بصدد الضرورات الداخلية التي يخضع لها التنظيم المكاني في الرواية، مقترحاً وصف الحدث بطريقة دقيقة، وتحليل مظاهر الوصف، والاهتمام بوظائف المكان في علاقاته مع الشخصيات ومع المواقف والزمن.
و(الفضاء الروائي)، مثل المكوّنات الأخرى للسرد، لا يوجد إلا من خلال اللغة، فهو فضاء لفظي يختلف عن الأماكن التي ندركها بالبصر أو بالسمع كما في المسرح أو السينما، وتشكّله من الكلمات يجعله يتضمن كل المشاعر والتصوّرات المكانية التي تستطيع اللغة التعبير عنها. ولما كانت الألفاظ قاصرة عن تشييد فضائها الخاص بسبب طابعها المحدود والناقص بالضرورة، فإن ذلك يدعو الراوي إلى تقوية سرده بوضع طائفة من الإشارات وعلامات الوقف في الجمل داخل النص المطبوع. وهكذا فنتيجة التقاء فضاء الألفاظ بفضاء الرموز الطباعية ينشأ فضاء جديد هو الفضاء الموضوعي للكتاب. أي فضاء الصفحة والكتاب بمجمله، والذي يعتبر المكان المادي الوحيد الموجود في الرواية، حيث يجري اللقاء بين وعي الكاتب ووعي القارئ. وهكذا أصبح لدينا فضاءان: الفضاء الروائي (وهو المظهر التخييلي أو الحكائي)، والفضاء الطباعي (أو الفضاء النصّي).
(فالفضاء الروائي) يرتبط بزمن القصة، وبالحدث الروائي، وبالشخصيات التخييلية: فالمكان لا يتشكل إلا باختراق الأبطال له، وليس هناك أي مكان محدد مسبقاً، وإنما تتشكل الأمكنة من خلال الأحداث التي يقوم بها الأبطال. وهذا الارتباط بين الفضاء الروائي والحدث هو الذي يعطي الرواية تماسكها. يقول (فيليب هامون) Ph. Hamon عن الوظيفة الأنثربولوجية للمكان: (إن البيئة الموصوفة تؤثر على الشخصية وتحفزها على القيام بالأحداث، وتدفع بها إلى الفعل حتى إنه يمكن القول إن وصف البيئة هو وصف مستقبل الشخصية – مقدمة لتحليل الوصف 1989- ص113).
وعلى الرغم من أن المكان مرتبط بالشخصيات، إلا أن الشخصيات قد لا تخضع كلياً للمكان. وبرز اتجاه يقول بالتطابق بين الشخصية والفضاء الذي تشغله، ويجعل من المكان تعبيرات مجازية عن الشخصيات (إن بيت الإنسان هو امتداد له. فإذا وصفت البيت فقد وصفت الإنسان- وارين، وويلك- نظرية الأدب- تر: محيي الدين صبحي- دمشق 1972 ص 288). كما ظهرت اتجاهات أخرى تعطي للشخصيات أهمية فائقة في تشكيل المكان المحيط بها: فالمكان لا يظهر إلا من خلال وجهة نظر شخصية تعيش فيه أو تخترقه، وليس لديه استقلال إزاء الشخص الذي يندرج فيه. وعلى مستوى السرد فإن المنظور الذي تتخذه الشخصية هو الذي يحدّد أبعاد الفضاء الروائي، ويحقق دلالته وتماسكه الأيديولوجي. والفضاء الروائي ينشأ من خلال وجهات نظر متعددة لأنه يُعاش على عدة مستويات: من طرف الراوي بوصفه كائناً مشخصاً وتخييلياً أساسياً، ومن خلال اللغة التي يستعملها: فكل لغة لها صفات خاصة لتحديد المكان، ثم من طرف الشخصيات الأخرى التي يحتويها المكان، وأخيراً من طرف القارئ الذي يدرج بدوره وجهة نظره.
إن القراءة الكفيلة بالكشف عن دلالة (الفضاء الروائي) يجب أن تبني على مجموعة من التقاطبات المكانية التي تظهر على شكل ثنائيات ضدية، تجمع بين عناصر متعارضة، بحيث تعبر عن العلاقات والتوترات التي تحدث عند اتصال الراوي أو الشخصيات بأماكن الأحداث. وإذا كان (باشلار) G. Bachlard في (شعرية المكان) 1957 قد درس جدلية الخارج والداخل، وعارض بين القبو والعلّيّة، وبين البيت واللا بيت، فإن (لوتمان) J. Lotman هو وحده الذي أقام نظرية متكاملة للتقاطبات المكانية في كتابه (بنية النص الفني) 1973 حيث انطلق من فرضية أن الفضاء هو مجموعة من الأشياء المتجانسة التي تقوم بينها علاقات شبيهة بتلك العلاقات المكانية المعتادة. ولغة العلاقات المكانية تصبح من الوسائل الأساسية للتعرف على الواقع. فمفاهيم مثل: الأعلى/ الأسفل، والقريب/ البعيد، والمنفتح/ المنغلق، والمتصل/ المنقطع... كلها تصبح أدوات لبناء النماذج الثقافية دون أن تظهر عليها أية صفة مكانية.
ويرى (لوتمان) أن النماذج الاجتماعية والدينية والسياسية والأخلاقية تتضمّن وبنسب متفاوتة، صفات مكانية، تارة في شكل تقابل: السماء/ والأرض، وتارة في شكل نوع من التراتبية السياسية والاجتماعية حين تعارض بين الطبقات العليا/ الدنيا، وتارة في صورة صفة إطلاقية حين تقابل بين اليمين/ واليسار... وكل هذه الصفات تنتظم في نماذج للعالم تطبعها صفات مكانية بارزة، وتقدم نموذجاً إيديولوجياً متكاملاً خاصاً بنمط ثقافي معطى. ويتجاوز (لوتمان) العرض النظري لمفهوم التقاطب إلى الممارسة النقدية، فيحلل شعر (تيوتشيف) من خلال ثنائية: الأعلى/ الأسفل، فيربط الطرف الأول بـ (الاتساع) والطرف الثاني بـ (الضيق)، ثم يدل بـ (الأسفل) على النزعة المادية، ويدل بـ (الأعلى) على النزعة الروحية، لينتهي بعد مجموعة من التقابلات إلى أن (الأعلى) هو مجال الحياة، وأن (الأسفل) هو مجال الموت. وفي دراسته لشعر (زابولوتسكي) الذي تلعب البنيات المكانية فيه دوراً عظيماً، يجد بأن (الأعلى) يكون دائماً مرادفاً عنده لمفهوم (البعيد)، و(الأسفل) مرادفاً لمفهوم (القريب)، ولذلك فإن كل انتقال يبقى متجهاً إما إلى (الأعلى) أو إلى (الأسفل)، وتنتظم الحركة على المحور العمودي الذي ينظم الفضاء الأخلاقي، فالشرّ يضعه الشاعر في (الأسفل)، والخير يوجهه نحو (الأعلى).
وبعد (لوتمان) أقام (جان فيسجر) Weisgerber في كتابه (الفضاء الروائي) 1978 البناء النظري الذي تستند إليه التقاطبات المكانية في اشتغالها داخل النص، وذلك عن طريق إرجاعها إلى أصولها المفهومية الأولى. وميّز بين التقاطبات التي تعود إلى مفهوم الأبعاد الفيزيائية الثلاثة: مثل التعارض بين اليمين واليسار، وبين الأعلى والأسفل، وبين الأمام والخلف. كما أبرز التقاطبات المشتقة من مفاهيم المسافة، والاتساع أو الحجم والتي تشكل ثنائيات ضدية (من مثل: قريب/ بعيد، صغير/ كبير، محدود/ لا محدود...) وتلك المستمدة من مفهوم الشكل (دائرة/ مستقيم) أو الحركة (جامد/ متحرك، أفقي/ عمودي) أو الاتصال (منفتح/ منغلق، مسكون/ مهجور) أو الإضاءة (مضاء/ مظلم، أبيض/ أسود).. وهذه التقاطبات لا تُلغي بعضها بعضاً، وإنما تتكامل فيما بينها، لتقدم مفاهيم تساعد على فهم كيفية اشتغال المادة المكانية في الحكي.
وهكذا أظهر مفهوم (التقاطب) كفاءة إجرائية عالية عند العمل به على الفضاء الروائي المتجسد في النصوص، وذلك بفضل التوزيع الذي يجريه للأمكنة والفضاءات، وفقاً لوظائفها وصفاتها.
ويستفيد الباحث من عرض لكل هذه الاجتهادات فيبني مقاربته للفضاء الروائي في الرواية المغربية على (مفهوم التقاطب) الذي أدرجته الشعرية في بنائها النظري، وجعلت منه الأدلة الرئيسية للبحث في تشكلات المكان، وإن الأخذ بمبدأ التقاطب كمفهوم نقدي، وكأداة إجرائية بالمعنى الذي أعطته له الشعرية الحديثة (لوتمان، باشلار، ميتيران... الخ) يمثل المظهر الملموس الذي يصل إلى حدّه الأقصى من الوضوح المفهومي والنقدي، عندما يسمح بوضع اليد على ما هو جوهري في تشكيل الفضاء الروائي. يقول: (لقد نظرنا إلى الأماكن والفضاءات التي تزخر بها الرواية المغربية فوجدناها تتوزع إلى فئات ذات تنوّع كبير من حيث الوظيفة والدلالة، وأمكننا أن نميّز مبدئياً بين أمكنة الإقامة وأمكنة الانتقال، لكي نحصل على ثنائية ضدية أولى سيتلوها اكتشاف ثنائيات أو تقاطبات أخرى تابعة أو ملحقة ص 40).
وهكذا جدول الباحث الأماكن في:
أماكن الإقامة
أماكن الانتقال
اختيارية
إجبارية
عامة
خاصة
-فضاء البيوت
-فضاء السجن
-الأحياء والشوارع
-المقهى
-البيت الراقي
-الزنزانة
-الأحياء الراقية

-البيت المضاء
-فضاء الفسحة
-الأحياء الشعبية

-البيت المظلم
-فضاء المزار


-البيت الشعبي



في (أماكن الإقامة الاختيارية) ركّز الباحث على (فضاء البيوت)، آخذاً بدعوة باشلار إلى ضرورة الإلمام بجميع أجزاء البيت والدلالات المرتبطة بها، لأن الاقتصار على جانب واحد، مهما بلغ من الفاعلية والخصوبة، يظل حائلاً دون رؤية الجوانب الأخرى التي تشكل الصورة المتكاملة للفضاء الروائي، وتعطيه انسجامه وأسباب انبنائه. وهكذا فمن الخطأ النظر إلى البيت كركام من الجدران والأثاث يمكن تطويقه بالوصف الموضوعي والانتهاء من أمره بالتركيز على مظهره الخارجي وصفاته الملموسة، لأن هذه الرؤية ستنتهي إلى الإجهاز على الدلالة الكامنة فيه وتفرغه من كل محتوى: فالبيوت والمنازل تشكل نموذجاً ملائماً لدراسة قيم الألفة ومظاهر الحياة الداخلية التي تعيشها الشخصيات، وذلك لأن بيت الإنسان هو امتداد لـه، كما يقول (بليك). فإذا وصفت البيت فقد وصفت الإنسان، فالبيوت تعبّر عن أصحابها.
إن التأثير متبادل بين الشخصية والمكان الذي تقيم فيه، وإن الفضاء الروائي يمكنه أن يكشف لنا عن الحياة اللا شعورية التي تعيشها الشخصية. ولا شيء في البيت يمكنه أن يكون ذا دلالة من دون ربطه بالإنسان الذي يعيش فيه.
وهذا يخالف ما جاء به روّاد مدرسة (الرواية الجديدة، أو الروائية الشيئية) الذين أحلّوا الأشياء محل الإنسان في الرواية، على الرغم من قولهم: (إن للأشياء تاريخاً مرتبطاً بتاريخ الأشخاص –ميشيل بوتور- بحوث في الرواية الجديدة- تر: فريد أنطونيوس- عويدات- بيروت1971 ص 55)، (وإن كل حائط وكل قطعة أثاث في الدار كانت بديلاً للشخصية التي تسكن هذه الدار –آلان روب غرييه- نحو رواية جديدة- تر: مصطفى إبراهيم- دار المعارف بمصر-ص130).
أما (شعرية المكان) فإنها تسلّم بتأثير الوجود الإنساني على تشكيل الفضاء الروائي، وتلّح على أهمية رؤية الإنسان للمكان الذي يأهله. وعندما ينظر الباحث في الخطاب الروائي المغربي يجد نصوصاً كثيرة تُعنى بتصوير فضاء البيت وتوسعه وصفاً وتشريحاً، ولكن دون أن تربطه بقيم الإلفة الإنسانية، سواء في ذلك البيت الشعبي أو البيوت الفاخرة.
وفي (أماكن الإقامة الإجبارية) يعالج الباحث (فضاء السجن) بوصفه عالماً مفارقاً لعالم الحرية خارج الأسوار، وهو يشكل مادة خصبة للروائيين، ونقطة انتقال من الخارج إلى الداخل، ومن العالم إلى الذات بالنسبة للنزيل، بما يتضمنه ذلك الانتقال من تحوّل في العادات والقيم وإثقال كاهله بالإلزامات والمحظورات. فما أن تطأ قدما النزيل عتبة السجن، مخلفاً وراءه عالم الحرية حتى تبدأ سلسلة العذابات التي لا تنتهي إلا بالإفراج عنه.
وضمن فضاءات السجن عالج الباحث فضاءات أخرى متعلقة به مثل: فضاء الزنزانة، وفضاء الفسحة، وفضاء المزار.
وفي (أماكن الانتقال العمومية) عالج الباحث (فضاء الأحياء) والشوارع، وتمشياً مع خطته المنهجية في اختياره (التقاطب) فقد شرع في عرض صفات الحي الشعبي بوصفه فضاءً اعتيادياً للحياة اليومية للمواطنين، وذلك تمهيداً للبحث في تمفصلاته الطوبوغرافية والدلالية. وضمن فضاء الأحياء عالج الباحث فضاءات أخرى متعلقة به، مثل: فضاء الحي الشعبي، وفضاء الحي الراقي.
وفي (أماكن الانتقال الخصوصية) عالج الباحث (فضاء المقهى) كمكان انتقال خصوصي، بتأطير لحظات العطالة والممارسة المشبوهة التي تنغمس فيها الشخصيات الروائية كلما وجدت نفسها على هامش الحياة الاجتماعية. وأبرز الدلالات تحمل طابعاً سلبياً يشي بما يعانيه الفرد من ضياع وتهميش. ومما يؤكد ذلك أن فضاء المقهى هو مسرح للعديد من الممارسات المنحرفة، سواء كانت دعارة أو قماراً أو تجارة مخدرات أو حتى مجرد عطالة مزمنة. وتتكرر هذه الصورة السلبية لفضاء المقهى في أكثر من رواية حتى توشك أن تصبح العصب الرئيسي الذي يحكم دلالته ويلتحم بها.
Ping your blog, website, or RSS feed for Free


مواضيع ذات صلة



أضف تعليقك عبر الفيسبوك

0 تعليقات Comments :

Post a Comment

 

Tips Tricks And Tutorials