الخطوات الإجرائية لتحليل نص فلسفي وفق المعايير الديداكتيكية

لما كان متعلم اليوم هو باحث الغد، ومفكر المستقبل فإن المأمول من نص الفلسفة أن يسهم في تكوين شخصية المتعلم وتحقيق المواصفات الإستشرافية التي رسمناها سابقا، ولتحقيق هذه الأهداف لابد من سلك منهجية مضبوطة تعتمد على الخطوات التي تحقق بعض الكفايات المعرفية والمنهجية والتواصلية ثم القيمية، وذلك عبر تعليم الطرائق الفعالة في التفكير القائمة على التحليل والتركيب وفق تدرج بيداغوجي، وآخر منطقي بدء من البسيط إلى الأقل بساطة، ومن المركب إلى الأكثر تركيبا.
وتبعا لما رسمناه في حد النص وتعريفه
وخصوصيته يحق لنا وصف النص عرفيا بأنه "أكثر من قولة وأقل من كتاب"، وبالتالي ستكون مهمة الأستاذ والمتعلم حسب
ما سبق ذكره هي البحث عن إشكالية النص من خلال المفاهيم التي بواسطتها بسط الفيلسوف أطروحته، وكذا استخراج البنية الحجاجية في النص، باعتبار أن الحجاج  ميزة للنص دون القولة ودون السؤال المفتوح. كما أن النص بالإضافة إلى المواصفات السابقة الذكر يتميز بخاصية الوحدة المفهومية، حيث تتكامل العناصر المشكلة له، خادما بذلك غاية الفيلسوف ومنخرطا في هموم عصره.
ولتحليل النص الفلسفي وفق المعايير الديداكتيكية لابد من مراعاة بعض الإجراءات العملية، فما هي الخطوات المنهجية التي يرجى اتباعها في تحليل النص الفلسفي؟.
مبدئيا نحدد خطوات دراسة النص الفلسفي في أربع مراحل، وهي متداخلة بحيث يعسر عزل الواحدة عن الأخرى، وهذا التداخل هو ما يفرض قراءة النص مرات عديدة، في كل قراءة نستخرج منه شيئا جديدا، ومعنى هذا أن يكون فعل القراءة موجها من طرف الأستاذ، تارة تكون القراءة من أجل الاستئناس والاستطلاع على بنية النص، وثانية من أجل استخراج مفاهيم النص التي عبر من خلالها الفيلسوف عن أطروحته، وقراءة ثالثة من أجل استخراج إشكالية النص، ورابعة من أجل استنباط البنية الحجاجية في النص وأشكال الاستدلالات الواردة بين سطور النص، وكل هذا من أجل استخلاص موقف الفيلسوف من القضية التي من أجلها كان هذا النص أصلا، وكيفما كان الحال فإن قراءة النص تنمي كفاية الإصغاء، إصغاء إلى كلمات ومفاهيم النص، ودقات إلى "قلب الناس" وهمومهم.
هكذا إذن يبدو أن كل قراءة للنص لابد من أن تهدف إلى استخراج قضية ما، وستكون أول خطوة هي استخراج المفاهيم المفاتيح، التي إذا تم استخراجها بشكل سليم تم فهم النص، وهنا لابد من التعامل مع النص بذكاء، ذلك أن كل فيلسوف إلا ويبدع عدته المفاهيمية ومن هنا ضرورة الاحتفاظ لكل فيلسوف بعدته، وبعبارة أخرى لا ينبغي نقل مفهوم من حقل فلسفي إلى آخر أو عزله عن محيطه، فالجوهر مثلا عند أرسطو ليس هو الجوهر عند كانط، كما أن العلة عند أرسطو ليست هي العلة عند ليبنتز، ومفهوم الميتافيزيقا عند كانط ليست هي الميتافيزيقا عند نيتشه، والسببية عند الغزالي ليست هي السببية عند هيوم...، ومن هنا ضرورة فهم النص من الداخل، لا أن نسقط عليه تأويلاتنا ومفاهيم غريبة عنه.
وبعد هذه القراءة –المتأنية بالطبع- التي تم خلالها استخراج المفاهيم الفلسفية الأساسية، وهي ما تعرف في العرف الفلسفي بالمفهمة، يأتي دور القراءة الموجهة نحو استخراج إشكالية النص نظرا لأهميتها في تحليل النص.
والاشكالية هي »القراءة التي من خلالها يبرز المشكل الذي يعالجه النص، ورهانات هذا المشكل، إن الأشكلة تعني أيضا أن نكشف من خلال قراءتنا عن الإشكالية الخاصة كما يعرضها النص بانتظام .. إنها تعني في الأخير وفي نفس الوقت التساؤل عن تصور المتعلم الخاص واختـبـاره فـي محـك النـص«[1].
واضح من خلال هذا التعريف –الذي سبق أن أوردناه- أن الإشكالية تتميز بالخصائص التالية:
× هي مجموع الأسئلة الفلسفية والعلمية المترابطة.
** تعبر عن موقف صاحب النص إما بشكل مباشر وواضح، وإما بشكل مضمر وضمني.
**تشكل مساهمة الفيلسوف النظرية في معالجة قضايا عصره بطريقة فلسفية، (أنظر تحليل نص "السعادة والمدينة" لأبي نصر الفارابي، في الكتاب المدرسي للسنة الثانية الـتأهيلية، آداب عصرية، الصفحة 105، ضمن درس السعادة في القسم المخصص للجانب التطبيقي من هذا البحث).
**يشكل النص إجابة للفيلسوف عن قضية فلسفية معينة وجودية كانت أم معرفية أم قيمية، أو عن سؤال صريح أو مضمر طرح فلسفيا.
من خلال هذه الخصائص نكتشف أن النصوص الفلسفية تبوح بالإشكالية أفصح مما تبوح به نصوص أخرى. ومن ثمة تلك الصعوبات التي عرضناها في الفصل السابق المتعلق بالخطاب الفلسفي.
بعد هذا الحد من استخراج المفاهيم واستخراج الإشكالية =المفهمة والأشكلة، يصير من السهل الكشف عن موقف الفيلسوف، وهذه تشكل لحظة أخرى من لحظات القراءة الموجهة للنص الفلسفي، وذلك بالانتباه إلى منعطفات النص بعد تقطيعه إلى وحدات دالة. إذ تبرز كل تمفصلات النص من خلال علامات الترقيم وأدوات الربط اللغوية والمنطقية ودلالاتها، ففي هذه اللحظة ينبغي الحذر في التعامل مع النص، وذلك بالتسلح بأساليب الربط وأنواعها. وإن أمكن التمرس على المنطق القضوي والرمزي، إذ تساعد هذه المعارف المنطقية واللغوية على استخراج البنية الحجاجية للنص، وهذا ما يشكل صلب الخطوة الموالية في القراءة الموجهة.
ويرى بيرلمان PERLMAN أن الحجاج »يغطي حقل الخطاب بكامله، ويهدف إلى الإقناع والاستمالة، وذلك كيفما كان نوع المخاطبين ومهما كانت مادة ذلك الخطاب«[2]
الحجاج Argumentation إجراء يستهدف من خلاله شخص ما حمل مخاطبه على تبني موقف معين عبر اللجوء إلى حجج، تستهدف إبراز صحة هذا الموقف أو صحة أسسه، فهو إذن عملية هدفها إقناع الآخر والتأثير عليه، ما يمكن أن نستشف من خلال هذا التعريف هو:
++اختلاف الحجاج عن البرهان وعن الاستدلال، فإذا كان غرض العالم هو البرهنة القطعية، فإن هدف الفيلسوف هو الحجاج الظني، وإذا كان ميدان الحجاج هو الاحتمال، فإن ميدان العلم هو الحقائق البديهية المطلقة، وإذا كان هدف البرهان هو الوصول إلى نتيجة مجهولة، فإن هدف الحجاج هو إثبات نتيجة معلومة[3].
**هدف الحجاج هو إقناع الغير والتأثير عليه، ومعنى هذا أن الحجاج يفترض وجود طرفين، إما يدفع الآخر إلى الاقتناع باختيار صاحب الحجة، وإما لتدعيم ذلك الاختيار.
**كون الحجاج أحد أنواع الاستدلال، »وهي طريق الوصول إلى معلومات تصديقية نظرية ليس لدينا وسائل حسية أو أدلة مادية للوصول إليها، وهي أيضا طريق إقناع الآخرين بها، وإلزامهم جدليا بقبولها والتسليم بها«[4]
× أن الحجج على مراتب، فبعضها يفيد القطع، وبعضها يفيد الظن.
× تأثير اختيار الحجج في الإقناع في المخاطب.
× تنوع الحجج من أجل البرهنة على أطروحة واحدة، وعند هذا الحد أدرج اقتراحا قام به الأستاذ ميشيل طوزي لتعلم قراءة نص فلسفي، حيث قدم للمتعلمين نـصا حجاجيا بسيطا بغية تمـييز النص الحجاجي عن غيـره مـن أنمـاط النصوص، فاستـنبط أن» فهم النص الحجاجي يعني القدرة على الإجابة عن ثلاثة أسئلة: ما هو السؤال الذي يعالجه النص، وما هو الجواب الذي يقدمه عن هذا السؤال؟، ثم ما هي الخطوط الكبرى لحجاجه؟[5]« .
وقد قدم الأستاذ حميد اعبيدة بعض أنواع الحجـج كالحجـج المعتمدة على الأمـثـلة »والـحجاج بالـسلـطة، والحجاج بالقيم، وأنماط البرهان-بأشكاله الاستنباطـي والاستقـرائي-«[6]، لكن النصوص الموظفة في الكتاب المدرسي في التعليم التأهيلي بالمغرب في معظمها تتراوح بين هذه الأنماط من الاستدلال: الاستدلال الاستنتاجي، الاستدلال الاستقرائي، الاستدلال الشرطي، الاستدلال بالمماثلة، الاستدلال بالحذف، الاستدلال بالمقابلة، الاستدلال بالخلف، ومن جانبنا نضيف بعض أنواع الحجج الحجة بالاستنباط، والحجة الخلقية، الحجة بالمنفعة، الحجة بالأمثلة، ...
ومهما يكن من أمر الحجاج يكون بقصد إقناع الغير، ومن هنا ضرورة استحضار المواقف الأخرى، مؤيدة كانت أم معارضة، خصوصا إذا علمنا أن الخطاب الفلسفي هو خطاب حوار بامتياز بين الفلاسفة أنفسهم، حيث يستدعي كل فيلسوف فكر فيلسوف آخر إما ليدعم به رأيه، أو فيلسوفا يعارضه ويثبت فساد أطروحته، ولنا في هذا حجج عديدة من تاريخ الفلسفة، إذ استحضر أفلاطون فلسفة سقراط، كما استحضر أرسطو فلسفة أفلاطون.
كانت هذه بعض الخطوات الإجرائية لتحليل نص فلسفي، ولكن هذا العمل لن يكتمل إلا إذا تمرس المتعلم بتوجيه من الأستاذ على هذه المهارات كل واحدة على حدة حتى يتقنها، فإذا تسنى له ذلك انتقل إلى التمرس على الجمع بين هذه المهارات في شكل الإنشاء الفلسفي الذي يعبر عن مدى استيعاب المتعلم لتلك المهارات.
ومعنى هذا أن عمل الأستاذ هو تهيئ الظروف ومساعدة المتعلم على إتقان تقنيات الكتابة الفلسفية، -لأن هذه من المواصفات الاستشرافية للمتعلم المغربي-، حيث ينبغي أن يتمرس المتعلم في إطار العملية التعليمية التعلمية على خطوات الإنشاء الفلسفي، من المقدمة وطرح الإشكال، ومرورا بالعرض بما يتضمن من مراحل جزئية تجمع بين التحليل والمناقشة، ووصولا إلى الخاتمة التي تجمع شتات الموضوع، حيث تعتبر بمثابة حصيلة الموضوع، وفي نفس الوقت انفتاحا على سؤال آخر. وهذا لا يعني أن هذه الخطوات مستقلة بعضها عن البعض الآخر، بل لابد من المزاوجة فيها بين المنهجي والمعرفي، لأن كلاهما يكمل الآخر، كل ذلك بأسلوب منطقي بسيط ينطلق من البسيط إلى الأقل بساطة، ومن المركب إلى الأكثر تركيبا، فلننطلق من المقدمة- مقدمة الكتابة الفلسفية الخاصة بتحليل نص فلسفي.
معنى المقدمة:
لما كانت المقدمة مجرد مدخل للموضوع، فإن هذا يستلزم أن تكون خالية من الأفكار التي توحي للمتلقي بمضامين العرض، بل إنها تعمل على تشويقه لتلقي المزيد، فمهارة المقدمة ترتبط بمهارتي الفهم –فهم النص- ومهارة بناء الإشكالية. ومن هنا ضرورة توفر المقدمة على ثلاثة عناصر: أولا الانتقال من العام إلى الخاص، ثانيا وضع النص في موقعه وفي إطاره الإشكالي، ثالثا طرح الإشكالية أو مجموع التساؤلات الصميمية التي سيجيب عنها في العرض، والاهتمام أكثر بسؤالين اثنين: الأول يهم جانب التحليل، والثاني يهم المناقشة.  فما هو التحليل إذن؟  
معنى التحليل:
» التحليل بمعناه العام ... مرادف للمنهج الذي يميز ويصنف وينتقل من مرحلة إلى مرحلة حسب خطوات واضحة، وينصب التحليل بمعناه الخاص.. على موضوعـات محددة«[7]، كما تعتبر مرحلة التحليل مرحلة قراءة النص من الداخل اكتشافا لمضامينه، وتفكيكا لرموزه وبنيته، مع البحث عن دواعي إبداع ذلك النص، واللحظة التي من أجلها كتب، وبعبارة أخرى محاولة الإجابة عن تساؤلات ضمنية منها: ماذا يقول صاحب النص؟ ولماذا يقوله؟.
فبخصوص السؤال: "ماذا يقول صاحب النص؟" يبرز موقف صاحب النص بشكل جلي. وعن السؤال كيف توصل إلى ذلك؟ فيبرز التدرج الفكري واللحظات التي وجهت تفكير صاحب النص. وعن السؤال ما هي الحجج التي وظفها لهذا الغرض؟ يتم استخراج البنية الحجاجية للنص.
تتميز مرحلة التحليل بكونها مرحلة تجميع وفرز ووضع علاقات مع البحث عن تصميم أو خطاطة وفق بناء منطقي قبل المرور إلى التحرير le développement، ولنا في أمثلة أساتذة الفلسفة الكبار من أمثال نيتشه أدلة كبرى، حيث وضع خطاطة كتابه "نشأة الفلسفة في عصر المأساة" إذ قال في مقدمة الكتاب: »فيما يخص المقدمة: وصف القرن السابع (ق.م)، تهيئ الحضارة، صراع الغرائز، العنصر الشرقي، تمركز الحضارة انطلاقا من هوميروس، أتحدث عن السابقين على أفلاطون، لأنه مع أفلاطون يبدأ العداء للحضارة، يبدأ السلب، والحال أني أعرف كيف تسلك اتجاه حضارة حالية أو حضارة في صيرورة فلسفة ليست عدوة لها«[8]، وهو يجمع في هذه الخطاطة بين المونولوج من جهة، وبين ترتيب عناصر عمله من جهة ثانية، حتى يتمكن من السيطرة على الكتابة الفلسفية وإتقان فنونها.
فالخطاطة إذن تجمع بين عناصر التفكير وهيكل بنائها من ناحية، وبين عناصر موجهة للمتلقي من ناحية أخرى. وهكذا يصير التحليل إذن هو بحث وإبعاد واكتشاف ... –بحث- عما هو غير معروف في الموضوع، وعما ينبغي معرفته .. –وبحث- عما هو معروف، ومنه ننطلق نحو المجهول والمطلوب، وقد اتفق مؤلفو كتاب "عناصر الكتابة الفلسفية: الإنشاء الفلسفي في البكالوريا" على التمييز في الإبعاد بين ثلاثة أنواع:
» * إبعاد ما لا يدخل في سياق فحصنا من مشاكل وقضايا.
 * نبعد ما لا يجيب عن سؤالنا.
 * نبعد أصناف معارفنا حسب درجة وضوحها لدينا.
أما الاكتشاف فهو إبراز نتائج نصل إليها عن طريق التمييز والفصل الذين نقوم بهما ... ويتم الاكتشاف على ثلاثة مستويات:
¯ نكشف عن الحدود.
¯ نكشف عن العلاقات الجزئية بين تلك الحدود.
¯ نكشف عن سبل جديدة لتحليل جديد«[9].
فإذا كان هذا عن التحليل فماذا عن النقد باعتباره أحد أهم محطات الكتابة الفلسفية، والإنشاء الفلسفي بصدد تحليل النص فلسفيا؟.
معنى النقد:
يقال »"نقد" و"انتقد" بمعنى أظهر عيوب الشيء ومحاسنه، كما يدل فعل نقد أحيانا على النظر في الشيء، بل على طول النظر فيه، فيقال: نقد فلان الشيء بمعنى أدام النظر فيه، ويتخذ نقد الشيء أيضا معنى تكسير هذا الشيء، كما في قولنا: نقد الطائر الحب أي ضرب فيه بمنقاره، الأمر الذي قد يصل إلى تفكيكه وتحويله إلى أجزاء صغرى «[10].
ويعني في اصطلاحه الفلسفي كما حدده أندريه لالاند نشاط تفكيري يحاكم به العقل موضوعه، ولا يمارس هذا الفعل  النقدي من أجل ذاته، بل هو فعل هادف إلى تصحيح أو إلى تغيير ما يقتضي التصحيح والتغيير بصدد ما يكون موضوعا للنقد«[11]. وعليه فإنه يتوجب استعمال النقد في كل موضوع فلسفي، أي أن نصدر أحكام قيمة على الأفكار والآراء والنظريات التي يتضمنها موضوع فلسفي ما، ولابد في ذلك من أن نمارس عليه عمليات »التساؤل والشك والفحص والموازنة والتأويل، فتكون النتيجة غربلة الأفكار والآراء والنظريات لإسقاط ما ليس له قيمة، والاحتفاظ بما له قيمة... -ثم- نمارس عملية الدحض أو التفنيد، فتكون النتيجة إسقاط قيمة تلك الأفكار أو الآراء والنظريات في جملتها«[12]، ومن ثمة نقول بأن التفكير النقدي هو عملية فحص حر عمومي للأفكار والأشياء، أو بعبارة أخرى هو إعمال للعقل في كل موضوع.
معنى التركيب: 
»والتركيب هو إنتاج شيء جديد من الجمع بين عدة عناصر جزئية أو بسيطة، وهو استنتاج نتائج عن قضايا معروفة، وهو بصفة عامة الانتقال من المبادئ المعروفة إلى النتائج، ومن العناصر إلى المجموع، ومن البسيط إلى المعقد«[13]، ونستمد مادة التركيب إما من مادة معرفية في شكلها الإلقائي، أو مادة معرفية مستمدة من تحليل نص فلسفي، وبهذا يحق القول بأن التركيب هو تجميع للمعارف التي تدعم نفس القضية، شريطة عدم الإخلال بالسلم المنطقي لها، إذ يتم تركيب الأفكار التي تصب في نفس القضية، ويتم الانطلاق من تركيب الأفكار الجزئية بغية الوصول إلى تركيب أسمى وهو التركيب الكلي لعناصر الكتابة الفلسفية
لكن هذه العلميات لابد أن تخضع لمقتضيات العملية التعليمية التعلمية وللمواصفات الديداكتيكية، حيث نكتفي باستعمال وتوظيف النص الفلسفي قصد تمرين العقل دون أن نجعل من النص الفلسفي الهدف الرئيسي، يقول ميشيل طوزي بهذا الصدد: »لا يتعلق الأمر إذن بالنسبة لنا في هذا المستوى الأولي بجعل الكتاب التأريخي للفلسفة أو التعليق على نص ما أو لكاتب ما، بل باعتبار النص مطية لتعلم التفلسف كدعامة ديداكتيكية للتفكير في فكرة مكتشفة«[14].
 فالأساسي في درس الفلسفة هو جعل المتعلم يدرك تفلسف الفيلسوف وتساؤلاته، وأن يتعرف طريقة تفكير الفلاسفة، يقول مارتن هيدكر: »عندما نتساءل ما هي الفلسفة؟ فإن هدف سؤالنا هو الولوج داخل الفلسفة والإقامة فيها والتصرف وفقها، أي التفلسف«، ولكي تتحقق الأهداف المرجوة من استعمال النص الفلسفي لابد من مراعاة المحددات والمقتضيات التالية:
**مقتضيات معرفية نظرية: أي أن يحسن استعمال البعد المعرفي، وأن يحسن استخدام المضامين الفلسفية، حيث يراعي صلاحيتها المعرفية، إذ عليه أن يتحرى وضعها في سياقها التاريخي، وسياقها المعرفي مع توخي الصحة في إثباتها لأصحابها، كما عليه لأن يتدرج في بناء المعرفة من البسيط إلى الأقل بساطة، ومن المركب إلى الأكثر تركيبا، ولما كان المقام هو مقام تعليم وتعلم فعليه أن يراعي بعدها الكمي أيضا بحيث يجانب الإيجاز المخل، أو الإسهاب الممل.
**مقتضيات بيداغوجية: حيث يتوجب على الأستاذ ألا يوظف النص الفلسفي إلا في إطاره المناسب، ومعنى هذا هو ضرورة مراعاة الموضع أو المكان الذي يوظف فيه النص، وكذا عليه مراعاة الأهداف والكفايات التي لأجلها يوظف النص.
**مقتضيات سيكولوجية: حيث يتوجب على الأستاذ مراعاة خصوصية المتعلم العمرية، ومواصفاتها التشخيصية، لأنه يعسر على المتعلم المبتدئ أن يحاور فكر جهابذة الفلاسفة دون وساطة الأستاذ في تذليل الصعوبات المعرفية وتجاوز المثبطات السيكولوجية.
وهكذا نخلص من مختلف المعطيات أن النص الفلسفي هو دعامة أساسية في الدرس الفلسفي، حيث يحقق أهدافا لم يكن بمقدور الدرس الإلقائي تحقيقها، ومع ذلك لا نستعمله إلا وظيفيا فقط. حيث ننشط به العمل التفكيري والنمط المنهجي لدى المتعلم، وهذه المهمة يضطلع بها أستاذ الفلسفة يقول G.Simmell في كتابه: "فلسفة الحداثة" »هناك ثلاثة أصناف من الفلاسفة: الصنف الأول ينصت إلى دقات "قلب الأشياء"، والصنف الثاني ينصت إلى "دقات قلب الإنسان"، أما الصنف الثالث فإنه ينصت إلى دقات "قلب المفاهيم"، في حين أن هناك صنف رابع هو صنف أساتذة الفلسفة الذين لا يستمعون إلا إلى دقات "قلب النصوص"«.
وبالتالي فوظيفة الأستاذ هي تنشيطية فقط، حيث ينشط العلاقة بين المتعلم وبين المادة التعليمية من أجل بناء المعرفة على دعامة النص، ولتحقيق هذه الوظيفة يتم اللجوء في فعل القراءة إلى تحديد مفاهيم النص وأحداث شخوصه، وذلك طريق الوقوف على تمفصلات النص،  وتفكيكه وتحديد وحداته مع تحليلها إلى عناصرها الأولية بغية ضبط العلاقات المختلفة بينها، وبهذه الطريقة يسهل استخراج الإشكالية العامة للنص التي يدعمها الفيلسوف صاحب النص، وبالمقابل تحديد الأطروحة المناقضة التي يدحضها. كل ذلك من خلال استخلاص منطق النص وكيفية بنائه، ومجمل آليات العرض والبرهنة والحجاج والتمثيل والاستعارة والتشبيه.. التي تأسس عليها النص، لتنكشف طبيعة النص، إن كانت إخبارية معرفية أم سجالية، أم نقدية، أم تأسيسية..
هكذا إذن يتم تتويج هذه الخطوات بالإنشاء الفلسفي، ومن أجل ذلك ينبغي أن يسير المتعلم –بتوجيه من الأستاذ- وفق خطة منهجية يقوم فيها برسم جدول- كما يقترح ميشيل طوزي- من ثلاثة أعمدة: العمود الأول: مخصص لما يقوله النص، ويمكن من النظر في بنيته: الأفكار الأساسية التي تكون مختصرة، الروابط المنطقية المؤطرة، المفاهيم الرئيسية مسطر تحتها، والإشارة إلى دور كل إثبات في الهامش. أما العمود الثاني فمخصص لشروحاتنا والتي يمكن تسجيلها باختصار، (...) وكذا لحجج الأطروحة التي يدافع عنها. أما العمود الثالث فمخصص لأسئلتنا، ويتم ملؤه بنفس الطريقة كالعمود الثاني، حيث تجسد الأسئلة النقدية المطروحة من طرف المتعلمين.
وهنا يدعى المتعلم إلى التأكد إلى التأكد إذا ما كانت الأجوبة التي يقدمونها تجيب عن ما قدموه كسؤال، وإذا ما كان ما قدموه كحجاج متناسق مع ما قدموه كإجابة.
في نهاية الحصة، يشير الأستاذ بأن الطريقة المستعملة قد نستعملها هي ذاتها من أجل إنجاز الدراسة المنظمة للنص المقترح في البكالوريا، إذ تشكل نتائج العمودين الأول والثاني أساس القسم الأول من الواجب (حلل وناقش)، أما العمود الثالث فيشكل القسم الثاني (حاور- استخرج مفتاح النص)«[15].
وعند هذا الحد يمكن نقل هذه التجارب النظرية للفلاسفة الأساتذة أو للأساتذة الفلاسفة، وذلك بالانتقال إلى تطبيق هذه الخطوات  الإجرائية النظرية إلى التطبيق العملي لهذه التوجيهات، وسأكتفي بدراسة بعض النصوص المقررة في الكتاب للسنة الثانية بكالوريا آداب. وهذا ما يشكل صلب الفصل الرابع من هذا البحث، والذي يمثل الجانب التطبيقي.

1 الدراسة الفلسفية للموضوعة والنص، ص: 92
2نقلا عن "فكر ونقد"، العدد 93، ص: 86 = PERLMAN Ch.-« la Nouvelle RhétoriqueTraité de L’argumentation », en collaboration  avec l. obrechte tyteca, jf, 1958.
3تمت الاستفادة في هذا الجانب من كتب المنطق.
4عبد الرحمان حسن حنبكة الميداني.- "ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة"، الطبعة الثالثة 1988، دار القلم، دمشق، الصفحة 25.
5 :  Apprendre à Philosopher Dans les lycées d’aujourd’hui », Michel TOZZI et autres, édition Hachette 1992,  page :97.
6نقلا عن العدد: 39 من "فكر ونقد"، ص: 90.
7عناصر الكتابة الفلسفية: الإنشاء الفلسفي في البكالوريا، الطبعة الأولى 1987، التيجانية فرتات، فؤاد صفا، الحسين سحبان، مؤسسة بنميد ، الدار البيضاء، ص: 11.
8نقلا عن "عناصر الكتابة الفلسفية " ، ص: 12-13= نيتشه.- "نشأة الفلسفة في عصر المأساة"، باريس، ص: 166.
9عناصر الكتابة الفلسفية، ص: 24.
10عبد المجيد الإنتصار.- "التربية على حقوق الإنسان.."، ص: 55.
11نقلا عن المجيد الإنتصار.- "التربية على حقوق الإنسان، ص: 56.
12عناصر الكتابة الفلسفية: الإنشاء الفلسفي في البكالوريا، ص: 29.
13المرجع السابق، ص: 45.
14 : Apprendre à Philosopher Dans les lycées d’aujourd’hui », Michel TOZZI et autres, édition Hachette 1992,  page :92 –93.
15 : Apprendre à Philosopher Dans les lycées d’aujourd’hui », Michel TOZZI et autres, édition Hachette 1992,  page :100- 102
Ping your blog, website, or RSS feed for Free


مواضيع ذات صلة



أضف تعليقك عبر الفيسبوك

0 تعليقات Comments :

Post a Comment

 

Tips Tricks And Tutorials