تحليل نص فلسفي: الفلسفة تساؤل، ألان جيرانفيل.. التمييز بين السؤال العادي والتساؤل الفلسفي والتعرف على خصائص الخطاب الفلسفي وضوابطه

"»تشكل الفلسفة بدون شك (..) رغبة في المعرفة وفي الحكمة وحبالهما. ويمكن لنا أن نقبل الفكرة التي تقول: "إن الشخص الذي يطرح سؤالا فلسفيا ما يريد من وراء ذلك التوصل إلى المعرفة. ولكن سؤالا مثل "أين توجد المحطة؟" لا يبدو إجمالا أنه سؤال فلسفي، لماذا؟ لأن ممارسة الفلسفة تستوجب بالفعل قصدية حاضرة في السؤال  ذاته (..)، ولا يمكن لأي سؤال أن يكون في ذاته فلسفيا بدون هذه القصدية (..).
إن السؤال الفلسفي يفترض مسبقا شكا في الجواب باعتباره معرفة، لا بمعنى أن الجواب ذاته
"يمكن احتمالا" أن يخضع للشك، كأن نجد المجيب يرتبك وأن الجواب ينقصه الوضوح الكافي. إن الشك هنا شك قبلي (..) ويجب أن نعطي لهذا الشك القبلي كل معانيه: إن السؤال الفلسفي –الذي قلنا سابقا إنه يتخذ
المعرفة كموضوع له- يفترض في الواقع أن المعرفة مستحيلة أو على الأقل أن هناك معرفة مزعومة، معرفة ليست في الواقع معرفة.
والنتيجة هي أن السؤال الفلسفي –باعتباره سؤالا- لا يمكن أن يطرح على الشخص الذي يعرف، أي على من يمتلك المعرفة. إن الفلسفة هي قبل كل شيء شك في امتلاك المعرفة. وهذا ما يظهره جيدا الحوار الأفلاطوني، حيث نجد سقراط يسأل الذين يقدمون أنفسهم (..) كممتلكين للمعرفة، ويظهر الغياب الفعلي للمعرفة لديهم (..) إن الإنسان الذي يطرح عليه السؤال الفلسفي هو ذاك الذي يعتقد بأنه يمتلك المعرفة، والسؤال الفلسفي يحطم هذا الاعتقاد البديهي.
ويبدو أن نمط التساؤل الفلسفي يشكل خاصية أساسية أخرى، فهو تساؤل وليس مجرد سؤال. إن السؤال المنفرد لا يكفي وحده لكي يشكل سؤالا فلسفيا، إذ يجب على السؤال الفلسفي أن يتكرر، لا بمعنى تكرار نفس السؤال (...) بل بمعنى تكرار سؤال آخر ينتمي إلأى نفس التساؤل الفلسفي (..) ما هو الطابع العام للجواب الفلسفي؟.
يجب على هذا الطابع العام أن يصدر عما سبق قوله عن التساؤل الفلسفي. أولا يجب على الجواب أن يقدم ذاته كمعرفة مادام موضوع السؤال الفلسفي هو المعرفة. بعد ذلك يجب أن يكون مرتبطا بالشك الذي يكون في الآن نفسه قبليا وشاملا على الدوام لكل ما سيقال، أي لهذه المعرفة التي سيحملها الجواب بالضبط. وأخيرايجب أن يتمفصل بشكل دقيق وبرهاني، مادام السؤال الفلسفي غير منعزل، ومادام التساؤل الفلسفي يقتضي استعادته باستمرار حتى يتم التوصل إلى مبدأ أول. إن الطابع العام للجواب الفلسفي، إذن، هو أن يظهر في شكل ما يسمى عادة بالخطاب (..) ويجب أن نؤكد على أنه لا يمكن أن يوجب خطاب واحد تنوع الخطابات الفلسفية (..) ولا يمكن لأي خطاب أن يكون منعزلا. إن الخطاب يحمل دائما إجابة ما. بهذا المعنى، لا يوجد خطاب فلسفي واحد، بل توجد خطابات فلسفية عديدة«
صاحب النصألان جيرانفيل = Alain Juranville
مرجع النصلاكان والفلسفة = lacan et la philosophie
موقع النص: درس الفلسفة المقرر بالنسبة للسنة الأولى ثانوي، آداب عصرية
مقصد النص: أن يقع التمييز بين السؤال العادي، والتساؤل الفلسفي، وأن يتم التعرف على خاصية أساسية من خصائص الخطاب الفلسفي
فالنص يتناول إشكالا فلسفيا خاصا بماهية الفلسفة، فمعضلة طبيعة المعرفة الفلسفية ومقومات فعل التفلسف هي بحق من أهم القضايا التي تطرحها موضوعة الفلسفة. ولقد انقسم الفلاسفة شيعا ومذاهب بصدد الإشكال بين مثبت ومعارض.
وتندرج مقاربة ألان جيرانفيل في هذا السياق الإشكالي التي تقرر مصادرة أساسية مؤداها أن القدرة على التفلسف وصياغة الإشكالات والاستفهامات من أهم دعائم وركائز التفلسف، وتأسيسا على هذا الطرح نطرح الاستفسارات التالية: ما طبيعة السؤال الفلسفي؟ وما هي الأهمية التي تحظى بها الأسئلة داخل المنظومات الفلسفية؟، وهل استحضار البعد التساؤلي في البعد الفلسفي شرط كاف لامتلاك ناصية التفلسف؟.
ضوابط التساؤل الفلسفي:
1-  الأداتية التوسطية: يراد بأداتية السؤال كون هذا الأخير لا يعدو أن يكون في المقام الأول إلى وساطة يتوسل بها الفيلسوف لتحصيل الحقيقة.
2- القصدية: يراد بقصدية السؤال أن استفهامات الفيلسوف لا تكون اعتباطية ولا تعسفية، وإنما تكون أسئلة غائية ينشد من خلالها المتسائل تحصيل الحقيقة والمعرفة بصدد بعض القضايا المصيرية التي يطرحها الوجود البشري.
3- الشكية والارتيابية: يراد بارتيابية السؤال الفلسفيكون تساؤلات الفيلسوف غير قابلة لحسم النهائي، فكل إثبات يستحيل إلى نفي، وكل جواب يصير سؤالا جديدا. إن قوام التفلسف هنا هو رفض المعرفة الجاهزة واليقين المطلق.
4-  الانتظامية: المراد بها كون أسئلة الفيلسوف تكون مترابطة ومتماسكة، بحيث تشكل نظاما استفهاميا، وهو ما يسمى في حقل الفلسفة بالتساؤل أو الإشكالية.
ضوابط الجواب الفلسفي:
1- الطابع المعرفي للجواب الفلسفي: ومضمونه أن كل جواب إنما يكون تحقيقا لاستجابة مرتبطة بطلب السائل، وتوقا إلى تبديد الحيرة والانشغال الذي يولده السؤال ويتولد عنه.
2-الطابع الارتيابي للجواب الفلسفي: لا يتعلق الأمر في الفلسفة بأجوبة نهائية تقدم نفسها كحقائق خالدة وثابتة، بل بمنظورات ذاتية تصطبغ بالخصوصية والنسبية والانفتاحية.
3- الطابع الحجاجي للجواب الفلسفي: إن ما يعطي للأجوبة الفلسفية وجاهتها وصحتها إنما هو الأبنية الحجاجية والمنطقية التي تتأسس عليها. إن الجواب الفلسفي إنما يستمد قيمته من الأدلة والحجج المؤسسة له.
4- الطابع الانتظامي للجواب الفلسفي: إذا صح أن هناك تماثلا بين بنية السؤال وبنية الجواب، صح معه أن نقول إن الأجوبة الفلسفية كالأسئلة الفلسفية تكون منتظمة ومؤلفة تأليفا بديعا ومنطقيا، بحيث ننفي أنفسنا أمام ما يسمى بالخطاب، وإذا حق أن الخطاب مجموع الأجوبة المترابطة حق معه تقرير تنوع الخطابات الفلسفية بفعل تعدد الأجوبة.
الــفـلـسـفـة
ضوابط السؤال الفلسفي    ضوابط الجواب الفلسفي
الأداتية التوسطية في السؤال الفلسفي     الطابع المعرفي للجواب الفلسفي
القصدية في السؤال الفلسفي   الطابع الارتيابي للجواب الفلسفي
الارتيابية في السؤال الفلسفي   الطابع الحجاجي للجواب الفلسفي
الانتظامية في السؤال الفلسفي     الطابع الانتظامي للجواب الفلسفي
  التساؤل الفلسفي             الخطاب الفلسفي
pedagogy    Orbits
Ping your blog, website, or RSS feed for Free


مواضيع ذات صلة



أضف تعليقك عبر الفيسبوك

0 تعليقات Comments :

Post a Comment

 

Tips Tricks And Tutorials