مفهوم التربية في الإسلام لغة واصطلاحا.. بناء شخصية الأفراد بناء شاملاً كي يستطيعوا التعامل مع كل ما يحيط بهم

التربية لغة:
إذا رجعنا إلى معاجم اللغة العربية وجدنا لكلمة التربية أصولاً لغوية ثلاثة:
الأصل الأول:رَبا يربو بمعنى زادَ ونما، فتكون التربية هنا بمعنى النمو والزيادة، كما في قوله تعالى:{يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} (276) سورة البقرة..
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} (5) سورة الحـج
{وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} (39) سورة الروم
الأصل الثاني:رَبى يربي على وزن خفى يخفي، وتكون التربية بمعنى التنشئة والرعاية، كما في قوله تعالى:{قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} (18) سورة الشعراء، {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} (24) سورة الإسراء.
وعليه قول الأعرابي:
فمن يكُ سائلاً عني فإني *** بمكة منزلي وبها ربيتُ
الأصل الثالث: رب يرب بوزن مدّ يمدّ بمعنى أصلحه، وتولى أمره،وساسه وقام عليه ورعاه، كما في قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (31) سورة البقرة... {إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} (110) سورة المائدة 
{وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ} (48) سورة آل عمران
التربية اصطلاحاً:
تختلف الآراء في تحديد مفهوم التربية باختلاف الظروف التاريخية والحضارية وباختلاف الأماكن – كما قد تختلف باختلاف نظرة المتخصصين، وقد وردت تعاريف كثيرة للتربية من قبل فلاسفة وعلماء اجتماع وسياسيين ونفسانيين..
ولكن لا تخرج تعريفاتهم بأي حال من الأحوال عن المعنى اللغوي للكلمة.
قال الإمام البيضاوي (ت685هـ): الرب في الأصل بمعنى التربية وهي تبليغ الشيء إلى كماله شيئاً فشيئاً،ثم وصف به تعالى للمبالغة.
وقال الراغب الأصفهاني (ت502هـ): الرب في الأصل التربية وهو إنشاء الشيء حالاً فحالاً إلى حد التمام.
ويمكن القول بصفة عامة أن التربية هي:
* عملية يُقصد بها تنمية وتطوير قدرات ومهارات الأفراد من أجل مواجهة متطلبات الحياة بأوجهها المختلفة 
* أو هي عملية بناء شخصية الأفراد بناء شاملاً كي يستطيعوا التعامل مع كل ما يحيط بهم ،أوالتأقلم والتكيف مع البيئة التي يعيشون بها،وتكون التربية للفرد والمجتمع.
وعرف علماء التربية الحديثة (التربية) بأنها تغيير في السلوك.
كما أن هذا المصطلح لم يُستعمل في تراثنا الإسلامي لاسيما القديم منه ؛وإنما أشار إليه بعض من كتب في المجال التربوي بألفاظٍ أو مصطلحاتٍ أخرى قد تؤدي المعنى المقصود ؛أو تكون قريبةً منه. وقد أشار إلى ذلك (محمد منير مرسي،1421هـ،ص 48 ) بقوله: "تعتبر كلمة التربية بمفهومها الاصطلاحي من الكلمات الحديثة التي ظهرت في السنوات الأخيرة مرتبطةً بحركة التجديد التربوي في البلاد العربية في الربع الثاني من القرن العشرين ؛ولذلك لا نجد لها استخداماً في المصادر العربية القديمة"
أما الألفاظ والمصطلحات التي كانت تُستخدم في كتابات السلف للدلالة على معنى التربية؛ فمنها ما يلي:
1) مصطلح التنشئة: ويُقصد بها تربية ورعاية الإنسان منذ الصغر؛ ولذلك يُقال :نشأ فلان وترعرع. قال الشاعر العربي:
وينشأُ ناشئ الفتيان فينا * * * على ما كانَ عَودهُ أبـوهُ
وممن استخدم هذا المصطلح العالِم عبد الرحمن بن خلدون (المتوفى سنة 808هـ) في مقدمته الشهيرة.
2) مصطلح الإصلاح: ويعني التغيير إلى الأفضل، وهو ضد الإفساد، ويُقصد به العناية بالشيء والقيام عليه وإصلاح اعوجاجه؛ وقد ذكر ذلك (خالد حامد الحازمي، 1420هـ،ص 23 ) بقوله: "والإصلاح يقتضي التعديل، والتحسين، ولكن لا يلزم أن يحصل منه النماء والزيادة، فهو إذاً يؤدي جزءًا من مدلول التربية".
3) مصطلح التأديب أو الأدب: ويُقصد به التحلي بالمحامد من الصفات والطباع والأخلاق؛ والابتعاد عن القبائح، ويتضمن التأديب معنى الإصلاح والنماء. وهو ما يُشير إليه (علي إدريس، 1405هـ،ص 13) بقوله: "عند قدماء العرب كانت كلمة (تأديب) هي المستعملة والمتداولة أكثر من كلمة تربية، وكان المدلول الأول لكلمة (أدب) في تلك البيئة العربية يُطلق على الكرم والضيافة، فكان يُقال: فلانٌ أَدَبَ القومَ إذا دعاهم إلى طعام" وهكذا كان مدلول كلمة (تأديب) منصرفاً بالدرجة الأولى إلى الجانب السلوكي من حيث علاقة الإنسان مع غيره ".
وهنا نلاحظ أن مصطلح الأدب والتأديب وثيق الصلة بمصطلح التربية حيث يمكن أن تُشتق منه تسمية المعارف آداباً وتسمية التعليم تأديباً، وتسميةُ المربي أو المعلم مؤدباً. وقد أشار إلى هذا المعنى (أحمد شلبي، 1978م، ص 58) في معرض حديثه عن التعليم في القصور؛ فأورد نقلاً عن (رسالة المعلمين) للجاحظ قوله: "والمعلم هنا (أي في القصور) لا يُسمى معلم صبيان أو معلم كُتاب، وإنما يُطلق عليه لفظ "مؤدِّب" وقد اشتق اسم المؤدب من الأدب، والأدب إما خُلقٌ وإما رواية، وقد أطلقوا كلمة مؤدب على معلمي أولاد الملوك إذ كانوا يتولون الناحيتين جميعًا ".
ومصطلح الأدب أو التأديب مصطلحٌ شائعٌ ورد في بعض أحاديث النبي e التي منها:
عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ e قَالَ:لأَنْ يُؤَدِّبَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ كُلَّ يَوْمٍ بِنِصْفِ صَاعٍ.[1]
وعَنْ صَالِحِ بْنِ رُسْتُمَ،قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَوَالِدِي، إِلَى أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، فَقَالَ أَيُّوبُ: ابْنُكَ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَحْسِنْ أَدَبَهُ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنِ النَّبِيِّ e، أَنَّهُ قَالَ: "مَا نَحِلَ وَالِدٌ وَلَدَهُ أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ " [2]
وعن الْحَارِثَ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ e قَالَ: أَكْرِمُوا أَوْلاَدَكُمْ وَأَحْسِنُوا أَدَبَهُمْ. [3]
وهنا نلاحظ من معاني هذه الأحاديث أن لفظ الأدب يدل على معنى كلمة تربية الأبناء وتنشئتهم على التحلي بمحاسن الأخلاق، وجميل الطباع. كما أن هذا المصطلح قد شاع استعماله عند كثيرٌ من العلماء والفقهاء والمفكرين المسلمين القدامى ومنهم: الماوردي (المتوفى سنة 450هـ) في كتابه (أدب الدنيا والدين)، ومحمد بن سحنون التنوخي (المتوفى سنة 256هـ) في رسالته (آداب المعلمين والمتعلمين)، والخطيب البغدادي (المتوفى سنة 463هـ) في كتابه (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع).
[1] - مسند أحمد (عالم الكتب) - (7 / 48)(20970) 21279- فيه ضعف
[2] - شعب الإيمان - (11 / 130)(8286 ) ومسند أحمد (عالم الكتب) - (5 / 308)(15403/1) 15478- حسن لغيره
[3] - سنن ابن ماجة- ط-الرسالة - (4 / 636)(3671) ضعيف
Ping your blog, website, or RSS feed for Free


مواضيع ذات صلة



أضف تعليقك عبر الفيسبوك

 

Tips Tricks And Tutorials